1


د. دلال صائب عريقات

الدستور الفلسطيني: بين الشرعية والدولة!

تأتي مسودة الدستور الفلسطيني في مرحلة تاريخية استثنائية للقضية الفلسطينية، حيث يتقاطع مشروع بناء الدولة مع واقع الاحتلال والاستيطان والضم والابادة والتهجير والإملاءات وفرض الحقائق، ويتداخل مسار الإصلاح المؤسسي مع نقاشات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا ما يجعل من النقاش الدستوري نقاشًا سياسيًا وطنيًا بامتياز، لا مجرد تمرين قانوني أو ضغط خارجي. الدستور ليس مجرد نص قانوني ينظّم السلطات ويوزّع الاختصاصات، بل وثيقة سياسية تؤسس لفكرة الدولة. الدستور الحديث ليس فقط عقدًا سياسيًا، بل عقد اجتماعي جامع، يعكس صورة المجتمع الذي نريد. ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس دستورًا يُنتج غموضًا جديدًا، بل يحتاجون دستورًا يحسم دون التباس العلاقة بين الدولة والشرعية الوطنية، بين المؤسسات والسيادة، بين المشروع التحرري والبناء الدستوري. قراءة مشروع الدستور الفلسطيني لا ينبغي أن تنحصر في تفاصيل الصياغة القانونية، بل يجب أن تنطلق من سؤال أعمق: أي شرعية سياسية يؤسس لها هذا الدستور؟
المسودة، في كثير من جوانبها تتضمن عناصر متقدمة تستحق التقدير، لا بد من تسجيل التقدير الصريح للجهد الوطني الكبير الذي بذلته لجنة الصياغة، فهي تؤكد مبادئ سيادة القانون، وتطرح رؤى حديثة وحضارية في الحقوق والحريات وخاصة المرأة، والشباب، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، حتى قوننة زراعة الأعضاء بروح تواكب تطور الفكر الدستوري المعاصر. كما يُحسب للمسودة أنها تعاملت مع فلسطين بوصفها وحدة سياسية وجغرافية كلية، ولم تنزلق إلى تفصيلات جغرافية جزئية قد تُقحم النص الدستوري في تفاصيل متغيرة بطبيعتها، وهذا من حيث المبدأ توجه دستوري مفهوم، لأن الدساتير تؤسس للمبادئ الكلية لا للتقسيمات الإدارية. غير أن هذا المنطق نفسه يطرح استثناءً لا يمكن تجاوزه: الحالة الغزية.
الإشكالية المركزية لا تكمن فيما ورد، بل فيما لم يُحسم بصورة صريحة، خاصة ما يتعلق بمركز الشرعية السياسية الفلسطينية. تشير الديباجة إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، غير أن هذا الاعتراف يبقى رمزيًا ما لم يترجم إلى نصوص دستورية ملزمة داخل المتن. فالدساتير لا تُبنى على الرمزية وحدها، بل على قواعد واضحة تحدد السلطات والمرجعيات وتمنع التأويل المتناقض.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: المسودة تنشئ مجلس نواب للدولة باعتباره السلطة التشريعية، دون تحديد واضح لعلاقته بالمجلس الوطني الفلسطيني، الذي يمثل الإطار التشريعي الأعلى للمشروع التحرري الفلسطيني. وهذا ليس تفصيلًا مؤسسيًا عابرًا، بل سؤال يتعلق بمصدر الشرعية ذاته؛ هل نحن أمام تكامل بين مؤسستين، أم انتقال تدريجي غير معلن من مرجعية تحررية يمثلها المجلس الوطني ومنظمة التحرير، إلى مرجعية دولة قيد التكوين؟
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية إذا استحضرنا حقيقة أن الدولة الفلسطينية، رغم الاعتراف الدولي المتنامي، ما زالت غير مكتملة السيادة؛ فهي  محتلة ولا تمارس سيطرة كاملة على الحدود، أو الموارد، أو المجال الجوي، أو وحدة الإقليم، ولا تزال القدس تحت الاحتلال والتهويد. في مثل هذا الواقع، فإن نقل مركز الشرعية من إطار تحرري جامع إلى كيان سيادي غير مكتمل قد يحمل مخاطر استراتيجية عميقة: أولها تقليص تمثيل الفلسطينيين في الشتات، وثانيها اختزال المشروع الوطني من مشروع تحرر إلى إطار إداري، وثالثها تعريض الشرعية الوطنية لهشاشة أكبر أمام الوقائع المفروضة من الاحتلال.
إن بناء الدولة لا ينبغي أن يكون على حساب المشروع الوطني، كما أن الحفاظ على المشروع التحرري لا يتناقض مع بناء مؤسسات الدولة. التحدي الحقيقي هو في المواءمة بين الاثنين، وهذه المواءمة لا تُترك للاجتهاد السياسي اللاحق، بل يجب أن تُحسم دستوريًا.
ومن هنا، فإن الحاجة ملحّة لتضمين نصوص صريحة تؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وأن المجلس الوطني يحتفظ بوظيفته التمثيلية والتشريعية ضمن الإطار التحرري، مع تنظيم العلاقة بينه وبين مجلس النواب على أساس تكاملي لا استبدالي.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الملاحظات على بنية الشرعية وحدها، بل تشمل قضايا حقوقية ومجتمعية يجب أن يواكبها النص الدستوري، مثل الحق في الحصول على المعلومة، وتعزيز حقوق ذوي الإعاقة، والاعتراف بقضايا الصحة النفسية والتوحد ضمن منظومة الحقوق، وضمان انتظام الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتوازي، والتفكير بوضوح في مسألة الدفاع الوطني وتوفير الحماية للمواطنين في ظل واقع الاحتلال.
فاللحظات التأسيسية لا تحتمل الغموض، لأن الغموض في هذه اللحظات ليس حياديًا؛ إنه يفتح الباب لتحولات صامتة قد تعيد تشكيل المشروع الوطني دون إعلان مباشر.
ولا ينتقص ذلك من القيمة العامة للمسودة، بل يندرج ضمن منطق تطويرها وتحسينها، تمامًا كما تنطبق الملاحظات المتعلقة بمركز الشرعية السياسية، والعلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات الدولة مما يستدعي حوار وطني جاد يصب في مسودة الدستور وليس العكس. ومن هذا المنطلق، فإن الحسم في القضايا المؤسسة- سواء ما يتعلق بالشرعية، أو وحدة الجغرافيا، أو بنية النظام السياسي -لا ينبغي أن يبقى حكرًا على التوافق النخبوي، بل يجب أن يعود للاستفتاء الشعبي، فالدساتير في اللحظات المؤسسة تستمد قوتها من الإرادة الشعبية المباشرة، والاستفتاء هنا ليس مجرد آلية تمرير وإقرار، بل ضمانة وطنية لحماية التوافق العام حول القضايا المصيرية.
التقدير لجهود لجنة الصياغة والجهد الوطني المبذول يجب أن يقترن باستمرار الحوار حول ما يحتاج إلى تبديل او تحصين أو إيضاح، لأن الهدف ليس إنتاج دستور فقط، بل إنتاج عقد سياسي وطني جامع. وإذا كان هذا الدستور يراد له أن يكون وثيقة الدولة الفلسطينية القادمة، فإن قوته لن تُقاس فقط بجودة نصوصه، بل بقدرته على ضمان وحدة التمثيل، واستمرارية المشروع التحرري، وحماية المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني، وصون وحدة الجغرافيا، وترسيخ حق تقرير المصير، واستناده إلى تفويض شعبي واضح.
وهذا هو جوهر الشرعية الدستورية الحقيقية.




“فتح” تكتسح انتخابات الهيئات المحليّة والمجالس القرويّة وتؤكّد: نتائج الانتخابات استفتاء شعبيّ على نهج الحركة وبرنامجها السياسيّ ومشروعها الوطنيّ

فتح” توجّه الشكر لجماهير شعبنا على ثقتهم بقوائم الحركة ومرشحيها 2026  عام الديمقراطيّة الفلسطينيّة الذي دشّنه الرئيس محمود عباس رام الله – الحياة الجديدة- أكّدت حركة التحرير الوطنيّ الفلسطينيّ (فتح) أنّ الفوز الكاسح لقائمتها “الصمود والعطاء” في انتخابات الهيئات المحليّة والمجالس القرويّة يعدّ استفتاءً شعبيًّا مؤيدًا لنهج الحركة وبرنامجها السياسيّ وخياراتها ومشروعها الوطنيّ التحرّريّ، مبينةً أنّ هذا الفوز بما يتضمنه من دلالات تاريخيّة تؤكّد وعي شعبنا ومسؤوليّته الوطنيّة الفائقة وانحيازه لنهج الحركة الديمقراطيّ، مستطردةً أنّ الحركة حققت فوزًا انتخابيًا كاسحًا في غالبية الهيئات المحليّة أبرزها الخليل وجنين وطولكرم وسلفيت والبيرة، فيما شكّلت الحركة بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة (197) مجلسا بلديّا وقرويا بالتزكية، أبرزها؛ بلديتا رام الله ونابلس. وأضافت (فتح) في بيان صادر عن مفوضيّة الإعلام والثقافة والتعبئة الفكريّة، اليوم الأحد، أنّ نتائج انتخابات الهيئات المحليّة والمجالس القرويّة تعتبر تحوّلًا نوعيًا في مسار الديمقراطيّة الفلسطينيّة التي التزمت الحركة منذ انطلاقتها بالحفاظ على ديمومتها، مبينةً أنّ العام 2026 هو عام الديمقراطيّة الفلسطينيّة الذي دشّنه الرئيس محمود عباس استُهل بعقد مؤتمر الشبيبة الفتحاويّة العام، مردفةً أنّ الانتخابات المحليّة سيتبعها انعقاد المؤتمر الثامن للحركة الشهر المقبل، فيما ستُجرى انتخابات المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ في شهر تشرين الثاني المقبل، مؤكدةً أنّ استدامة النهج الديمقراطيّ يأتي لمواصلة المسار الحتميّ الذي سيفضي إلى تجسيد الدولة الفلسطينيّة كاملة السيادة وعاصمتها القدس. وأضافت الحركة أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت (53.5%)، وهي نسبة مماثلة لما سُجّل في انتخابات عام 2022، وفق ما أعلنته لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، الأمر الذي يعكس إقبالًا ثابتًا من أبناء شعبنا على ممارسة حقهم الديمقراطي، ورفضهم الدعوات لمقاطعة الانتخابات، وانحيازهم إلى خيار صناديق الاقتراع، وتجديد ثقتهم بالنهج الديمقراطي الذي يقوده الرئيس وحركة (فتح) بالرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها شعبنا. وبيّنت (فتح) أنّه للمرّة الأولى منذ انقلاب حركة (حماس) على الشرعية الوطنيّة عام 2007، والتي منعت إجراء أيّة انتخابات بمختلف أشكالها، يُمارس شعبنا في قطاع غزّة حقهم الديمقراطيّ في الانتخاب والاقتراع؛ وذلك في دائرة (دير البلح) الانتخابيّة، معتبرةً ذلك إحباطًا لمخططات الاحتلال الإباديّة والرامية إلى فصل وتجزئة الأراضي الفلسطينيّة، والتزامًا من شعبنا بوحدته الكيانيّة والسياسيّة والجغرافيّة. وقالت (فتح) إنّ هذه الانتخابات، بما تمثّله من استحقاق ديمقراطيّ، حرصت الحركة بقيادتها وقواعدها وأُطرها التنظيميّة على إنجاحها؛ فإنّها تمثّل أيضًا صمود شعبنا أمام مخططات الضم والتهجير، مؤكّدةً أنّ شعبنا بإرثه التاريخيّ والحضاريّ جعل من الديمقراطيّة وسيلةً لمقاومة المشاريع الاستعماريّة الاقتلاعيّة والتصفويّة لحقوقه الوطنيّة المشروعة، مُشيدةً بوعي شعبنا حيال المرحلة السياسيّة الدقيقة الراهنة التي تستدعي التكاتف والتعاضد والتوحّد، والحفاظ على النسيج الاجتماعيّ الفلسطينيّ من محاولات الاختراق أو التفكيك. ووجّهت (فتح) الشكر لجماهير شعبنا على ثقتهم بقوائم الحركة ومرشحيها. وأثنت (فتح) على دور لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية والمؤسّسة الأمنيّة الفلسطينيّة والإعلامية وكافّة المؤسّسات الوطنيّة والمحليّة والأهليّة في إنجاز هذا الاستحقاق الديمقراطيّ، موضحةً أنّ شعبنا وقواه الوطنيّة والاجتماعيّة ومؤسساته سيواصلون مسيرة الديمقراطيّة بالتوازي مع مواصلتهم الكفاح الوطنيّ حتّى انتزاع حقوق شعبنا المشروعة، وتجسيد دولته المستقلة كاملة السّيادة وعاصمتها القدس.




%53.44 نسبة الاقتراع النهائية في الضفة الغربية للانتخابات المحلية 2026




بعد غياب عقدين.. دير البلح تستعد لأول انتخابات بلدية بالتزامن مع الضفة الغربية

تستعد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة لخوض غمار تجربة ديمقراطية استثنائية يوم السبت المقبل، حيث تُجرى أول انتخابات بلدية في المدينة منذ أكثر من 22 عاماً. تأتي هذه الخطوة في ظل واقع إنساني وخدماتي بالغ التعقيد فرضته الحرب المستمرة، وتصر السلطة الفلسطينية على إتمامها بالتزامن مع انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية المحتلة.

وتتنافس في هذه الانتخابات أربع قوائم انتخابية سجلت جميعها تحت صفة ‘مستقلين’، وهي قوائم ‘السلام والبناء’، و’دير البلح تجمعنا’، و’مستقبل دير البلح’، بالإضافة إلى قائمة ‘نهضة دير البلح’. وتضم كل قائمة 15 مرشحاً، مع التزام بتمثيل نسائي لا يقل عن أربع سيدات في كل منها، حيث سيتم اختيار رئيس البلدية الجديد من بين أعضاء القائمة الفائزة.

وأفادت مصادر في لجنة الانتخابات المركزية بأن اختيار مدينة دير البلح جاء لكونها المنطقة الأقل تضرراً من الناحية الإنشائية مقارنة ببقية مدن القطاع المدمرة. ورغم ذلك، فقد عانت المدينة من ضغوط هائلة نتيجة تدفق مئات آلاف النازحين إليها، فضلاً عن تدمير مقر بلديتها واستشهاد رئيسها السابق دياب الجرو وعدد من الموظفين أواخر العام 2024.

وأوضح جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية أن هذا الاستحقاق يحمل مغزى سياسياً عميقاً يتمثل في ربط قطاع غزة جغرافياً وسياسياً بالضفة الغربية. وأشار إلى أن التمسك بالخيار الديمقراطي في هذا التوقيت هو رسالة صمود وتأكيد على وحدة المؤسسات الفلسطينية رغم محاولات الفصل والتقسيم.

ويحق لنحو 70 ألف مواطن في دير البلح الإدلاء بأصواتهم، حيث اعتمدت اللجنة 12 مركزاً انتخابياً تضم 11 محطة اقتراع ستفتح أبوابها من الصباح الباكر وحتى المساء. وتهدف هذه العملية إلى إفراز مجلس بلدي منتخب يتمتع بشرعية قانونية وشعبية تمكنه من تجنيد الأموال اللازمة لإعادة الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية.

وأكدت مصادر مطلعة أن نجاح التجربة في دير البلح قد يمهد الطريق لتعميمها في مناطق أخرى من قطاع غزة فور توفر الظروف الملائمة. وتعتبر اللجنة أن إجراء الانتخابات في مدينة واحدة حالياً هو بمثابة ‘اختبار حقيقي’ لقدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل في ظل الظروف القاسية التي خلفها العدوان.

وفيما يتعلق بالرقابة، كشفت اللجنة عن مشاركة ما لا يقل عن 15 هيئة رقابية محلية ودولية للإشراف على نزاهة العملية الانتخابية. ويشمل ذلك مراقبين أجانب وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني، لضمان سير الاقتراع وفق المعايير القانونية والشفافية المطلوبة في مثل هذه الاستحقاقات الوطنية.

إجراء هذه الانتخابات في القطاع بعد هذه الحرب، ولو على مستوى مدينة واحدة، هو رسالة للعالم بأننا متمسكون بالديمقراطية وأساليب العمل المدني.

وحول التحديات اللوجستية، أشارت المصادر إلى وجود عوائق يضعها الاحتلال أمام إدخال مستلزمات العملية الانتخابية مثل صناديق الاقتراع والأحبار الخاصة. وأكدت اللجنة أنها تبحث عن بدائل محلية في حال استمرار المنع، مشددة على أن الإرادة السياسية لإنجاح الانتخابات تتجاوز العقبات التقنية.

من جانبه، يرى محللون سياسيون أن هذه الانتخابات الجزئية تمثل محاولة من السلطة الفلسطينية لاستعادة حضورها الفاعل داخل قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه المخاوف من محاولات إيجاد أجسام بديلة لإدارة شؤون القطاع بعيداً عن المظلة الرسمية لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية.

ويعتقد مراقبون أن اختيار دير البلح لم يكن عشوائياً، بل استند إلى ثقل جماهيري معين وحالة من الاستقرار النسبي في بنيتها المجتمعية. فالسلطة تسعى من خلال هذه الورقة إلى إثبات شرعيتها الشعبية أمام المجتمع الدولي، والتأكيد على أنها الطرف الوحيد القادر على إدارة المؤسسات الخدمية والمدنية.

ورغم الأهمية السياسية، يشير البعض إلى أن الشارع الغزي المثقل بالجراح قد لا يضع الانتخابات على رأس أولوياته في ظل أزمة الجوع والنزوح. ومع ذلك، يظل صندوق الاقتراع هو المخرج القانوني الوحيد لترميم المؤسسات المحلية التي تهالكت بفعل سنوات الانقسام والحرب المتواصلة.

ويرى الباحث منصور أبو كريم أن الإصرار على إجراء الانتخابات يهدف إلى مواجهة مخططات فصل غزة عن الضفة الغربية سياسياً. فالتزامن في الموعد والإجراءات بين رام الله ودير البلح يعيد التأكيد على أن القطاع جزء لا يتجزأ من الولاية القانونية والسياسية للدولة الفلسطينية المنشودة.

وتأمل القوى السياسية المشاركة أن تساهم هذه الخطوة في كسر حالة الجمود السياسي وإعطاء بصيص من الأمل للمواطنين بالمشاركة في صنع القرار. كما يُنظر إليها كخطوة أولى في مسار طويل قد يؤدي في النهاية إلى انتخابات عامة تشمل الرئاسة والمجلس التشريعي والوطني.

ختاماً، تبقى انتخابات دير البلح رهينة التطورات الميدانية ومدى التزام الأطراف المختلفة بتسهيل العملية الانتخابية وحمايتها. فنجاح هذا اليوم الانتخابي سيكون بمثابة رسالة قوية للعالم بأن الشعب الفلسطيني قادر على ممارسة حقه الديمقراطي حتى في أحلك الظروف وأكثرها مأساوية.




الملوخية بدلاً من التبغ.. حيلة الغزيين لمواجهة الحصار وشح السجائر

لم تعد الملوخية في قطاع غزة مجرد صنف غذائي يتصدر الموائد الفلسطينية، بل تحولت في ظل الحرب المستمرة والحصار الخانق إلى وسيلة مبتكرة لمواجهة شح التبغ. حيث بدأ المدخنون في القطاع بالاعتماد على أوراقها المجففة والمطحونة كبديل للسجائر التقليدية التي اختفت من الأسواق أو ارتفعت أسعارها بشكل خيالي.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن سعر السيجارة الواحدة قفز من شيكل واحد قبل الحرب ليصل إلى نحو أربعين ضعفاً، مما جعل الحصول على التبغ المستورد ضرباً من المستحيل لغالبية السكان. هذا الواقع دفع الباعة والنازحين للبحث عن بدائل عشبية لسد حاجة المدخنين الذين يعانون من ضغوط نفسية هائلة جراء القصف المستمر.

في أزقة مدينة غزة وبين خيام النازحين، ينتشر باعة متجولون يقومون بخلط أوراق الملوخية المفتتة بسائل يُفترض أنه نيكوتين مركز. يتم رج الخليط جيداً داخل أكياس بلاستيكية صغيرة حتى يتشبع باللون الأخضر، ثم يُلف يدوياً في أوراق رقيقة ليباع كمنتج محلي الصنع للزبائن الباحثين عن أي بديل للتبغ.

يقول أحد الباعة، ويدعى أبو يحيى إن هذه السجائر ليست بديلاً حقيقياً من حيث التأثير أو المذاق، لكنها خيار اضطراري فرضته الظروف القاسية. وأوضح أن غياب السجائر المستوردة تماماً هو ما دفع الناس للإقبال على هذه الأعشاب المطعمة بالنيكوتين، رغم إدراكهم لفرق الجودة الكبير.

من جانبه، يرى البائع محمد حلس أن انتشار هذه الظاهرة ليس ترفاً بل ضرورة ملحة فرضها انقطاع الإمدادات الأساسية عن القطاع. وأكد أنه في حال توفرت السجائر العادية بأسعار معقولة، فإن أحداً لن يفكر في اللجوء إلى تدخين الملوخية أو غيرها من الأعشاب التي تفتقر للمعايير الصحية.

وتواجه الزراعة في غزة تحديات جسيمة، حيث تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن 4% فقط من الأراضي لا تزال صالحة للزراعة. هذا النقص الحاد في المساحات الخضراء جعل حتى البدائل العشبية مثل الملوخية والخروع صعبة المنال في كثير من الأحيان، مما يزيد من تعقيد المشهد المعيشي.

لو وضعوا سماً سندخنه، فلا حياة ولا مستقبل نخشى على صحتنا في ظل هذه الظروف.

وتتصاعد المخاوف الصحية بين الأطباء والمواطنين على حد سواء بشأن طبيعة المواد المضافة لهذه السجائر اليدوية. ويشير مواطنون إلى أن السوائل المستخدمة قد لا تكون نيكوتيناً نقياً، بل ربما تكون خليطاً من مواد كيميائية مجهولة أو حتى مبيدات حشرية تُستخدم لتعزيز التأثير المخدر للسيجارة.

ويعبر وليد النعيزي عن قلقه من أن هذه الأعشاب، ومنها أوراق الخروع، قد تحتوي على مواد سامة تضر بالجهاز التنفسي بشكل يفوق أضرار التبغ العادي. ومع ذلك، يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين للمخاطرة بصحتهم في سبيل الحصول على لحظة من الهدوء النفسي وسط ركام المنازل المدمرة.

أبو محمد صقر، الذي يدخن منذ عقود، يصف حالته باليأس المطلق، مؤكداً أنه لا يكترث بالمخاطر الصحية في ظل انعدام الأمان والمستقبل. وبالنسبة له، فإن تدخين الملوخية هو مجرد محاولة لنفث الدخان والتنفيس عن الغضب المكبوت، حتى لو كان المذاق سيئاً ولا يشبه التبغ في شيء.

وفي مخيمات خان يونس، تروي نيفين سمير تجربتها مع هذا البديل المر، حيث اضطرت لتقليص استهلاكها من علبة كاملة يومياً إلى بضع سجائر يدوية الصنع. وتصف نيفين الرائحة والمذاق بالسيئين جداً، لكنها تعتبرها وسيلة لمرافقة فنجان القهوة الصباحي الذي فقد هو الآخر جودته المعهودة.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تستمر فيه الانتهاكات الإسرائيلية رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد المئات وإصابة الآلاف منذ أكتوبر الماضي. هذه الظروف الأمنية المتردية تجعل من الصعب على السكان التفكير في الإقلاع عن التدخين أو البحث عن حياة صحية.

ويبقى مشهد بائعي ‘سجائر الملوخية’ فوق أنقاض المباني دليلاً صارخاً على قدرة الغزيين على ابتكار وسائل للبقاء، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. إنها قصة شعب يحاول التأقلم مع أقسى أنواع الحصار، حيث تتحول أبسط النباتات إلى أدوات لمواجهة واقع الحرب المرير.