1

زعيمة المعارضة التايوانية في الصين: مهمة لـ ‘منع الحرب’ وسط ضغوط تسليح أمريكية

وصلت تشنغ لي وون، زعيمة المعارضة الرئيسية في تايوان ورئيسة حزب ‘كومينتانغ’، إلى مدينة شنغهاي الصينية اليوم الثلاثاء، في مستهل زيارة نادرة تهدف إلى تخفيف حدة التوتر بين ضفتي المضيق. وأفادت مصادر إعلامية بأن هذه الرحلة ستستمر لمدة ستة أيام، ومن المقرر أن تشمل محطات هامة في مدينتي نانجينغ وبكين، مما يمثل أول تحرك من نوعه لرئيس حزب المعارضة منذ ما يقرب من عشر سنوات.

تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في توقيت حساس للغاية، حيث تسبق بأسابيع قليلة القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين. وتسعى تشنغ من خلال لقاءاتها إلى فتح قنوات اتصال مباشرة قد تساهم في نزع فتيل الأزمة المتصاعدة، مؤكدة قبيل مغادرتها تايبيه أن الأولوية القصوى هي تجنب الصدام العسكري وحماية أمن الجزيرة عبر الحوار.

وتواجه الزيارة تعقيدات سياسية كبرى مرتبطة بضغوط تمارسها واشنطن على المعارضة التايوانية لإقرار صفقة تسليح ضخمة تقدر قيمتها بنحو 40 مليار دولار أمريكي. وتهدف هذه الصفقة، التي تدعمها الإدارة الأمريكية، إلى تعزيز القدرات الدفاعية لتايوان في مواجهة أي سيناريوهات عسكرية محتملة من جانب الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من سيادتها.

ويرى مراقبون دوليون أن القيادة الصينية برئاسة شي جينبينغ تهدف من استقبال وفد المعارضة إلى تقويض مساعي التسليح الأمريكية وإحداث خرق في الجبهة الداخلية التايوانية. فبينما ترفض بكين التعامل مع الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم، تجد في حزب ‘كومينتانغ’ شريكاً محتملاً يميل إلى التهدئة وتجنب سياسات الانفصال التي تثير غضب الحكومة المركزية.

الحفاظ على السلام يعني الحفاظ على تايوان، ونسعى لمنع اندلاع حرب عبر تعزيز حسن النية وتعميق الثقة المتبادلة.

على الصعيد الداخلي في تايوان، لم تمر الزيارة دون إثارة موجة من الانتقادات الحادة، حيث اتهم خصوم تشنغ السياسيون حزبها بالتقارب المفرط مع بكين على حساب السيادة الوطنية. وتعيش الجزيرة حالة من الانقسام السياسي بين تيار يرى في تعزيز العلاقات مع الصين ضرورة اقتصادية وأمنية، وتيار حاكم يشدد على ضرورة الاستقلال والتحالف الوثيق مع الغرب.

ويرتبط الجدل السياسي الحالي بميزانية دفاعية ضخمة تبلغ نحو 1.25 تريليون دولار تايواني، لا تزال متعثرة في أروقة البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة. ورغم تأكيد تشنغ لي وون على دعمها لبناء دفاع قوي لتايوان، إلا أنها تتبنى موقفاً مرناً يرفض حصر خيارات الجزيرة بين الانحياز الكامل لواشنطن أو الصدام المباشر مع بكين.

وتشهد العلاقات بين بكين وتايبيه حالة من الجمود التام والقطيعة الرسمية منذ عام 2016، عقب وصول الحزب الديمقراطي التقدمي إلى سدة الحكم ورفضه لمبدأ ‘الصين الواحدة’. وقد انعكس هذا التدهور في زيادة وتيرة المناورات العسكرية الصينية حول الجزيرة، وإرسال قاذفات وسفن حربية بشكل متكرر، مما رفع منسوب القلق الدولي من اندلاع صراع مسلح.

تترقب الأوساط السياسية العالمية نتائج هذه الزيارة وما إذا كانت ستنجح في فتح نافذة حقيقية للتهدئة، أم أنها ستتحول إلى ورقة ضغط إضافية في صراع النفوذ الكبير بين الولايات المتحدة والصين. وفي ظل هذه التعقيدات، تظل قدرة المعارضة التايوانية على موازنة علاقاتها مع القطبين الكبيرين هي الاختبار الأصعب لمستقبل الاستقرار في منطقة شرق آسيا.




الراتب قبل أن يصل: من يقرر كيف يُنفق مالك؟

د. سعيد صبري

في اقتصادٍ تُدار فيه الأزمات قبل أن تُحل، لم يعد السؤال متى يصل الراتب… بل من يقرر كيف يُنفق.
في أزقة الاقتصاد الفلسطيني المثقل بأعبائه، لم يعد الموظف يسأل وهو يحتسي قهوة صباحه: “متى يُصرف الراتب؟”، بل صار يسأل ما هو أشد وطأة: “كيف سيصلني هذا الراتب، وما الذي سيبقى منه حين يصل؟” ففي ظل أزمة مالية خانقة أجبرت الحكومة على صرف رواتب منقوصة لا تتجاوز الستين بالمئة لسنوات متتالية، فقد الراتب دوره القديم بوصفه أداةً لبناء الغد، وغدا مجرد قطرة تبحث عن فم في صحراء الديون والمتأخرات.
وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن عدد الموظفين الحكوميين يُقدَّر بنحو 150 ألف موظف، فإن أي تغيير في آلية صرف الرواتب أو إدارتها لا يمس أفرادًا فقط، بل يمتد أثره إلى مئات آلاف الأفراد من عائلاتهم، في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الرواتب كمصدر دخل رئيسي ومحرك أساسي للإنفاق.
في هذا المشهد المأزوم، برز حديث متصاعد في وسائل الإعلام الخاصة حول توظيف المحافظ الإلكترونية مخرجاً لأزمة السيولة—وهو حديث لم يرتقِ بعد إلى مستوى الإعلان الرسمي—يقوم على فكرة اقتطاع فواتير الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء وضريبة البلدية، من الراتب تلقائياً قبل أن يصل إلى صاحبه، كأن ثمة يداً غير مرئية تتولى الإنفاق نيابةً عمّن يعمل وينتظر.
ولا يمكن الإنصاف بحق هذه الفكرة دون الاعتراف بما تحمله من منطق تنظيمي له ثقله. فعلى المستوى الكلي، يُسهم هذا النموذج في تنظيم الإيرادات العامة وتوزيع عبء تمويل الخدمات بشكل أكثر عدلاً، بدلاً من إبقاء التكلفة على كاهل الملتزمين وحدهم. كما يمنح الهيئات المحلية المنهكة تدفقات مالية منتظمة تحول دون شللها الكامل، فيما تُسهم الأتمتة في تعزيز الشفافية ودفع شريحة واسعة نحو منظومة الشمول المالي.
غير أن هذه المبررات، وإن كانت تبدو وجيهة في قاعات الاجتماعات، تطرح حين تهبط إلى طاولة المطبخ حيث تُحسب الميزانية وتُتخذ القرارات الصعبة، أسئلة اقتصادية وإنسانية لا تقبل التجاهل. ويأتي ذلك في سياق تراجع ملحوظ في القوة الشرائية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة انخفاض الدخل الفعلي وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي اقتطاع إضافي يمس مباشرة قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
أول هذه الأسئلة وأشدها إلحاحاً: من أين سيجري الاقتطاع تحديداً؟ فإذا كان سيتم من مجموع الراتب المستحق نظرياً—أي من نسبة المئة بالمئة قبل التجزئة—فإنه رغم قسوته الظاهرة، قد يُخفف على الموظف عبء المطالبات المتراكمة، ليستلم ما يصله صافياً من ذمم البلديات وفواتير الخدمات. أما إن جرى الاقتطاع من الجزء المحوَّل فعلاً، فستتحول الحياة إلى معادلة يعجز الموظف عن حلها.
لكن ثمة ما هو أعمق من هذين السيناريوهين لا يُقال صراحةً: الراتب الحكومي اليوم ليس رقماً واحداً بل رقمان—رقم مسجّل في عقد التوظيف، ورقم أصغر هو ما يصل فعلاً. والفارق بينهما لا يمثّل مالاً محتجزاً في خزينة ينتظر دوره؛ بل هو أرقام في سجلات دفترية لا يعززها رصيد نقدي حقيقي، لأن هذا المال ببساطة غير موجود. وعليه، إذا اقتُطعت الفواتير من الراتب الكلي المستحق نظرياً، فقد تُقتطع من جزء لن يأتي أبداً—ويخسر الموظف من دخله الفعلي ثمن دين وهمي لم يكن له وجود على أرض الواقع.
وفوق ذلك كله، فإن الراتب ليس مجرد حوالة بنكية روتينية، بل هو اللحظة الوحيدة التي يشعر فيها الموظف المنهك بأنه لا يزال يمتلك قراره. هو اللحظة التي يجلس فيها الأب ويقرر: “هذا الشهر أقدّم دواء والدتي على فاتورة الكهرباء”، أو “سأدفع قسط المدرسة المتأخر وأؤجل ضريبة البلدية”. وإن كان الهدف تعزيز الدفع الرقمي وتنظيم الجباية، فلماذا لا تُتاح للموظف مساحة ليدفع طواعيةً عبر محفظته بنفسه؟ الخيار الحر يصنع مواطناً واعياً، والاقتطاع القسري لا يصنع شيئاً سوى موظف يشعر أن حريته الأخيرة قد سُلبت منه.
ولا يكتمل المشهد دون سؤال جوهري عن الطرف الآخر في هذه المعادلة: هل الهيئات المحلية مؤهلة رقمياً لاستقبال هذه المدفوعات بسلاسة؟ وهل ستُعيد بدورها تسوية ما عليها للحكومة في دورة مالية مغلقة ومنتظمة؟
وهنا تظهر الحقيقة الأكثر إيلاماً: الأزمة الفلسطينية ليست في آلية الدفع، بل في جفاف السيولة من منابعها. ففي وقت تتجاوز فيه الودائع المصرفية في فلسطين نحو 20 مليار دولار، لا تنعكس هذه الكتلة المالية على شكل سيولة فعلية في السوق، بل تبقى محصورة ضمن قيود مصرفية لا تتحول بسهولة إلى نقد متداول. وحين تُحوَّل الفواتير رقمياً بين حسابات الحكومة والبلديات، فإن ما يجري هو تسوية محاسبية لا نقلاً حقيقياً للنقد. البلدية ترى رصيدها يرتفع على الشاشة، لكنها حين تذهب لدفع رواتب عمالها أو مستحقات مورديها، تصطدم بواقع مرير: هؤلاء يطلبون نقداً حقيقياً لا أرقاماً معلقة. والنتيجة أننا لا نحل أزمة النقد، بل ننقلها من جيب الموظف إلى شاشة البلدية. وتجارب بعض الدول الأفريقية التي حاولت هذا المسار في أزمات مشابهة تقدم درساً قاسياً: تراجعت القوة الشرائية، ركدت الأسواق، وعجزت البلديات عن تسييل الأرقام الدفترية لتغطية نفقاتها.
في المحصلة، تنظيم الأزمة ليس حلاً لها. المحافظ الإلكترونية أداة نافعة في الأوقات الطبيعية، أما توظيفها في ظروف استثنائية لفرض ترتيب قسري على إنفاق ناس مأزومين، فيحوّلها من أداة تحديث إلى أداة ضغط. الحل الحقيقي لا يمر بابتكار طرق جديدة لاقتطاع رواتب منقوصة أصلاً، بل بضخ سيولة فعلية في الاقتصاد، وإتاحة الدفع الرقمي بإرادة حرة، وبناء تسويات شفافة حقيقية لا تمس كرامة الموظف. لأن اقتصاداً يُدار بالنيابة عن الناس دون أن يترك لهم حرية تدبير أزمتهم، هو اقتصاد فقد إنسانيته قبل أن يفقد سيولته.
* مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية




الاحتلال يُصّعد عدوانه على ريف جنين

-عبد الباسط خلف- صعد جيش الاحتلال عدوانه، أمس الإثنين، على ريف جنين، فاقتحم بلدات برقين وجبع وقباطية، وحاصر قرية زبوبا، وأصاب شابًا واعتقل آخرين، وأنذر أصحاب متاجر ألعاب أطفال.
وقال مدير العلاقات العامة والإعلام في بلدية جبع، عباس غنام لـ”الحياة الجديدة” إن الاحتلال اقتحم البلدة الواقعة جنوب جنين، وسير دورياته الراجلة في طرقاتها، وأطلق النار صوب المواطنين، ما أسفر عن إصابة العشريني مصعب ربحي ملايشة بعيار ناري في القدم.
وأكد أن الاقتحام استمر أكثر من ساعتين، وجاء بعد سلسلة اعتداءات متلاحقة للمستوطنين في محيط البلدة، أوقعت إصابة لمزارعين إثنين في حقليهما، الأسبوع الماضي.
ونقل الجريح، وفق مصادر محلية، إلى مستشفى الرازي ووصفت إصابته بالمتوسطة. 
وفي برقين، غرب جنين، اقتحمت دوريات الاحتلال البلدة، وفتشت مشطبًا للمركبات، وصادرت سيارة، واعتقلت الشاب مصطفى لامس صبح (40 عامًا).
وأفاد مواطنون بأن الاقتحام بدأ عصر أمس، وتخلله إقامة حاجز على شارع الشهداء، وتفتيش منزل المواطن صبح، قبل اعتقاله ومصادرة مركبته.
وأشار المواطن باسم حماد، إلى أن جنود الاحتلال أطلقوا طائرة مسيرة فوق البلدة، ومنعوا المركبات من اجتياز الطريق الجنوبي للبلدة.
وقال شهود عيان إن جنود الاحتلال اقتحموا متجرًا في البلدة، وأنذروا صاحبه بالتوقف عن بيع بنادق بلاستيكية يستخدمها الأطفال.
فيما ذكر المواطن أحمد زكارنة لـ”الحياة الجديدة” بأن الاحتلال اقتحم، قباطية جنوب جنين، وداهم متجرًا لبيع ألعاب الأطفال وفتشته، واعتقلت مالكه.
وأضاف بأن المقتحمين وزعوا إخطارات في بمنع امتلاك طائرات “الدرون” المسيرة، وحذرت من مغبة استعمالها أو اللعب بها.
وفي زبوبا غرب جنين، فرض الاحتلال حصارًا مشددًا على القرية، وأغلق المدخلين الرئيسين لها من جهة رمانة وتعنك، وأقفل الطرق الفرعية.
وأكد رئيس المجلس القروي، صلاح قنعير، لـ”الحياة الجديدة” بأن جنود الاحتلال اقتحموا منزله مساء أمس الأول، وزعموا بأنهم سيغلقون القرية بدعوى إلقاء شاب لزجاجة حارقة على جدار الضم والتوسع.
وقال إن الجنود هددوه بطرد الأهالي من بيوتهم، في حال اقتراب المواطنين من الجدار، المقام فوق أراضي القرية، مرة أخرى.
وأوضح بأن هذا الإغلاق هو الرابع للقرية، خلال عامين، والذي يتكرر بحجج مختلفة.




“الإحصاء” في يوم الصحة العالمي: القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات متفاقمة وقاهرة

شلل تام في منظومة غزة الصحية: دمار طال 94% من المستشفيات ونفاد نصف الأدوية 37 ألف امرأة حامل ومرضع و31 ألف طفل يواجهون خطر سوء التغذية والموت البطيء قيود الاحتلال تعرقل وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية في الضفة رام الله   الحياة الجديدة- أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بيانا صحفيا، لمناسبة يوم الصحة العالمي 2026، الذي يأتي هذا العام تحت شعار “معاً من أجل الصحة: لنقف مع العلم”، مستعرضاً واقع النظام الصحي في فلسطين في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة، خاصة في قطاع غزة. وأوضح “الإحصاء” أن القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات متفاقمة نتيجة استمرار العدوان والحصار، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المعايير الصحية الإنسانية والواقع المعيشي، في وقت يشهد فيه العالم تقدماً متسارعاً في مجالات الطب والرعاية الصحية. وأشار إلى أن البيانات المحدّثة حتى آذار 2026 تُظهر وصول المنظومة الصحية في قطاع غزة إلى حالة انهيار حاد، حيث طال الدمار 94% من المستشفيات، ما أدى إلى خروج المستشفيات الـ 36 كافة عن طاقتها التشغيلية الكاملة، فيما يعمل 18 مستشفى بشكل جزئي فقط.  كما سجلت خدمات الرعاية الصحية الأولية تراجعاً كارثياً في أدائها، انخفض إلى أقل من نصف قدرتها التشغيلية، حيث لا يعمل سوى 1.5% منها بكامل طاقتها.   وتزداد حدة الأزمة مع نفاد 51% من الأدوية الأساسية التي وصلت “رصيد صفر” في المستودعات، ما يضع آلاف المرضى، لا سيما ذوي الأمراض المزمنة، أمام عجز حاد في الحصول على العلاج المنتظم، ويجعل المنظومة الصحية في حالة شلل شبه تام يضع حياة السكان على المحك. ونوه إلى أن هذا التدهور لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد أيضا إلى الضفة الغربية، حيث تؤثر القيود على الحركة بشكل متزايد على إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية. فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية مئات الحوادث التي استهدفت الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، ما أدى إلى تعطّل العديد من الخدمات، بما في ذلك العيادات المتنقلة.  وتشير التقديرات إلى أن واحدة من كل خمس أسر أفادت بعدم قدرة أطفالها على الوصول إلى الرعاية الصحية، أو الحصول على الأدوية اللازمة نتيجة الإغلاقات المتكررة. ووفقاً لتقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) للفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2025 حتى نيسان/أبريل 2026، شهد قطاع غزة خلال الفترة بين 16 تشرين الأول/أكتوبر إلى 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، حيث ما زال نحو 1.6 مليون شخص (77% من السكان الذين شملهم التحليل) يواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.   وعلى الرغم من التحسن النسبي المحدود بعد وقف إطلاق النار، فإن تدمير 96% من الأراضي الزراعية، وارتفاع البطالة إلى 80%، وافتقار 47% من السكان للمرافق الصحية الأساسية، يجعل هذا التحسن هشّاً للغاية؛ ما يبقي خطر المجاعة قائماً في حال توقف المساعدات أو تجدد الأعمال العدائية. ويواجه الأطفال والنساء أوضاعاً تغذوية مقلقة في قطاع غزة؛ حيث أشارت التقديرات حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2026 في تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، إلى أزمة سوء تغذية حادة تهدد حياة 101,000 طفل (من سن 6 أشهر إلى59 شهراً)، من بينهم 31,000 حالة ستعاني من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يضع حياتهم على المحك.  وفي السياق، من المتوقع أن تعاني نحو 37,000 امرأة حامل ومرضع من سوء تغذية حاد، في حين تظل عشرات الآلاف من النساء الأخريات عرضة لمخاطر صحية وتغذوية مرتفعة.   وقد انعكس هذا الواقع، بشكل كارثي، على صحة المواليد، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات الولادة المبكرة، بحيث يحتاج واحد من كل خمسة مواليد جدد إلى رعاية مكثفة، بالتوازي مع زيادة حادة في حالات الإجهاض والمضاعفات الصحية المرتبطة بنقص المتطلبات الغذائية الأساسية. الأمراض تلتهم مراكز النزوح وسط عجز حاد في الخدمات الصحية واستنادا إلى لوحة مراقبة الأمراض الموحدة لنظام التحذير والاستجابة المبكر (EWARS)، التي تجمع بيانات أسبوعية صادرة عن المرافق الصحية، يُظهر عبء الأمراض المعدية في قطاع غزة أعداداً مرتفعة بشكل غير مسبوق من الحالات التنفسية وأمراض الجلد والطفيليات المسجلة.  وصل الوضع الصحي في قطاع غزة إلى مستوى حرج غير مسبوق، حيث شكلت الأمراض السارية ما يقارب ربع إجمالي الاستشارات الطبية (23.3%) منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية شهر شباط/ فبراير، في ظل عجز وانهيار فعلي لقدرة النظام الصحي على الاستجابة. وسجلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة أعلى نسبة بين الأمراض المعدية المشخصة، إذ بلغت 68% خلال الشهرين الأولين من العام 2026، مع تسجيل أكثر من 1.9 مليون إصابة تراكمية.   وعلى الرغم من تسجيل تراجع نسبي في عدد الإصابات مؤخراً، فإن تسجيل 17 حالة وفاة خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، يعكس تفاقم خطورة الوضع وحدة المرض الناتجة عن البرد القارس في ظل الاكتظاظ الحاد داخل مراكز النزوح التي تجاوزت قدرتها الاستيعابية بأكثر من أربعة أضعاف، إلى جانب انعدام التدفئة والتهوية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية. أما الإسهال المائي الحاد، فقد شكل ثاني أكثر الحالات المرضية إبلاغاً بنسبة 16%؛ إذ تم تسجيل نحو 81 ألف حالة خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، فقط، من العام 2026، من بينها أكثر من 36 ألف إصابة بين الأطفال دون سن الخامسة.   في حين سجلت أكثر من 496,000 حالة إسهال مائي حاد خلال العام 2025، 47% منهم بين الأطفال دون سن الخامسة.  ويُعزى هذا الارتفاع الحاد -الذي يزيد بنحو 20 ضعفاً مقارنة بفترة ما قبل الحرب- إلى تدهور جودة المياه، وانهيار أنظمة الصرف الصحي، حيث تشير التقديرات إلى أن 97% من المياه في القطاع غير صالحة للاستهلاك.  فيما انتشرت الأمراض الجلدية مثل الجرب والقمل بنسبة 15%، لتطال نحو 75 ألف شخص، في ظل غياب شبه كامل لمرافق النظافة الشخصية. كما تفاقمت معاناة المصابين بالأمراض المزمنة نتيجة تعطل الخدمات التشخيصية والعلاجية، ونفاد 70% من الأدوية الأساسية؛ ويقدّر عدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة بنحو 1,100 مريض، في حين لا يتلقى العلاج سوى نحو 600–700 مريض فقط، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية الصحية، وتعطل معظم مراكز غسيل الكلى، ما يضع حياة المرضى في خطر شديد.   هذا ويعاني مرضى الأورام والسرطان، الذين يُقدّر عددهم بنحو 10–12 ألف مريض، من انهيار شبه كامل في منظومة العلاج، في ظل نقص حاد في الأدوية الكيماوية، وتعطل خدمات التشخيص المتقدمة، بما في ذلك الأشعة المقطعية، إلى جانب القيود الشديدة على التحويلات الطبية خارج القطاع، ما يجعل الحصول على بروتوكولات علاجية متكاملة أمراً بالغ الصعوبة.   ويمتد هذا التدهور ليشمل مئات الآلاف من ذوي الأمراض المزمنة، في ظل نفاد نسبة كبيرة من الأدوية الأساسية، الأمر الذي يزيد من خطر المضاعفات والوفيات المرتبطة بأمراض كان بالإمكان السيطرة عليها في الظروف الطبيعية. ولا تقتصر الأزمة على الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، حيث يعاني أكثر من مليون طفل في قطاع غزة من آثار نفسية حادة، بما في ذلك القلق واضطرابات ما بعد الصدمة، في ظل غياب شبه كامل لخدمات الدعم النفسي المتخصصة. وفي رصد مأساوي لحجم الإبادة والنزيف البشري المستمر، تشير المعطيات إلى أن العدوان المستمر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أسفر حتى آذار/مارس 2026، عن أكثر من 72,280 شهيداً، إضافة إلى ما يزيد على 172,000 جريحاً، يُقدّر أن نحو ربعهم يعانون من إصابات دائمة تتطلب خدمات إعادة تأهيل طويلة الأمد.  وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من 21000 طفل من بين الضحايا، إضافة إلى ما يزيد على 11,000 طفل يعانون من إعاقات دائمة وإصابات غيرت مجرى حياتهم، وهم بحاجة ماسة إلى برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد غير متوفرة في ظل الظروف الحالية. ويتطلب حجم الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة تحركاً دولياً فورياً وفعالاً، ورفع القيود المفروضة على إدخال المعدات والتجهيزات الطبية الحساسة، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات الصحية المنقذة للحياة.  وتشير البيانات إلى أن أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى الإخلاء الطبي الفوري، من بينهم 3,800 طفل ممن يحتاجون إلى تدخلات علاجية متقدمة خارج فلسطين. المنظومة الصحية في الضفة الغربية قائمة تحت الضغط تعتمد منظومة الرعاية الصحية في الضفة الغربية على شبكة واسعة من الخدمات، حيث في العالم 2024 تم تقديم الرعاية الأولية من خلال 608 مراكز صحية، إضافة إلى 60 مستشفى توفر ما يقارب 13.4 سرير لكل 10,000 من السكان وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ حوالي 30 سريراً.  كما بلغت كثافة الكوادر الصحية 21.9 طبيب عام و43.6 ممرض لكل 10,000 من السكان، وهو ما يعكس توفر الموارد البشرية، مع استمرار الحاجة إلى تحسين توزيعها وكفاءتها لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية. وعلى الرغم من هذا التقدم، لا يمكن فصل الوضع الصحي عن القيود المفروضة، حيث تؤثر الإجراءات الإسرائيلية، بشكل مباشر، على كفاءة الخدمات الصحية في الضفة الغربية واستمراريتها؛ إذ تعيق الحواجز والقيود على الحركة، وصول المرضى، وبخاصة الحالات الطارئة، إلى المستشفيات في الوقت المناسب، كما تحدّ من قدرة الكوادر الصحية على التنقل، وتؤثر على توريد الأدوية والمستلزمات الطبية. وتنعكس هذه التحديات سلباً على جودة الرعاية الصحية واستمراريتها، ما يشكل ضغطاً إضافياً على النظام الصحي، ويهدد المكاسب المحققة. انخفاض وفيات الأمهات والأطفال في الضفة الغربية تعكس المؤشرات الصحية في الضفة الغربية تقدماً تدريجياً في خفض وفيات الأمهات والأطفال؛ إذ بلغ معدل وفيات الأمهات 22.2 لكل 100,000 مولود حي، وهو أدنى بكثير من السقف الذي حددته منظمة الصحة العالمية ضمن أهداف التنمية المستدامة (أقل من 70 حالة).  كما سجلت وفيات الرضع 8.5 لكل 1,000 مولود حي، ووفيات الأطفال دون الخامسة 10.1 لكل 1,000 في العام 2024، وهي مستويات ضمن الحدود العالمية المستهدفة. وعند مقارنتها بنتائج المسح الفلسطيني العنقودي متعدد المؤشرات 2020، يتضح مسار تحسن واضح؛ إذ بلغت وفيات الرضع نحو 14 لكل 1,000، ووفيات الأطفال دون الخامسة حوالي 26 لكل 1,000 مولود حي.  ويعكس هذا الانخفاض تحسناً في فعالية خدمات الرعاية الصحية الأولية والتدخلات الوقائية.  ويُعد الوصول شبه الكامل للولادات المؤسسية، بنسبة 99.9%، من أبرز النجاحات في النظام الصحي، لما له من دور حاسم في خفض المخاطر الصحية على الأمهات والمواليد. عبء الأمراض في الضفة الغربية تشير بيانات وزارة الصحة في الضفة الغربية للعام 2024، إلى تباين واضح في نمط الأمراض، حيث تُعد الأمراض غير السارية التحدي الأبرز أمام الصحة العامة؛ إذ تهيمن على أسباب الوفاة بشكل كبير.  وتتصدر أمراض القلب الإقفارية (أمراض القلب الناتجة عن انسداد الشرايين) قائمة المسببات بنسبة 24.7% من إجمالي الوفيات، تليها الأورام السرطانية بنسبة 18.2%، ثم مضاعفات داء السكري بنسبة 14.5%.  كما يبلغ معدل حدوث السرطان نحو 130.8 حالة لكل 100,000 من السكان، وهو أقل من المتوسط العالمي، إلا أنه يُعد مرتفعًا نسبيًا مقارنة بالعديد من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، ويقع ضمن الحدود العليا للمعدلات المسجلة إقليميًا، ما يعكس عبئاً صحياً متزايداً يتطلب تعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر، إلى جانب تحسين خدمات التشخيص والعلاج. وفي المقابل، لا تزال الأمراض السارية تحت السيطرة نسبياً، حيث تسجل معدلات إصابة منخفضة؛ إذ بلغ معدل الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي (أ) حوالي 5.23 لكل 100,000 من السكان، بينما سجل السل الرئوي معدلاً منخفضاً جداً بلغ 0.23 لكل 100,000.  ويُعد خلو الضفة الغربية من حالات شلل الأطفال والحصبة خلال العام 2024 مؤشراً إيجابياً يعكس فعالية برامج التطعيم، ونظم الترصد الوبائي، على الرغم من استمرار التحديات الصحية القائمة. الإنفاق المباشر للأسر المعيشية على الصحة: عبء مالي إضافي بلغ إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في فلسطين العام 2024 نحو 1,793.9 مليون دولار أمريكي، ويشكل حوالي 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل نصيب للفرد 351.7 دولار سنوياً.   ويعتمد النظام الصحي، بشكل كبير، على التمويل الحكومي 41.7%، بينما تشكل الأسر المعيشية ثاني أكبر وكيل تمويل للصحة في فلسطين، حيث بلغت نسبة مساهمتها 44.9% من إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في العام 2024.   وهذا يعكس عبئاً مالياً مباشراً مرتفعاً على الأسر، قد يحدّ من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى، ويزيد من مخاطر التعرض لضغوط اقتصادية