1

تقديرات إسرائيلية: الحرب على لبنان مستمرة بمعزل عن أي اتفاق أمريكي إيراني

تتصاعد التقديرات الأمنية والسياسية في تل أبيب حول مستقبل المواجهة العسكرية في لبنان، حيث ترجح مصادر إسرائيلية استمرار العدوان حتى في حال توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق تهدئة شامل. وتأتي هذه التقديرات في وقت تشهد فيه المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تقوده واشنطن عبر مقترحات متبادلة تهدف إلى احتواء التصعيد المتفاقم ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

وكشفت تقارير إعلامية دولية عن تفاصيل مقترح أمريكي مكون من 15 نقطة جرى نقله إلى طهران عبر الوسيط الباكستاني، يتضمن اشتراطات صارمة بوقف تخصيب اليورانيوم وتسليم المواد المخصبة. وفي المقابل، تعرض واشنطن رفع العقوبات الاقتصادية وتقديم دعم تقني لبرنامج نووي مدني، مع التشديد على ضرورة ضمان حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية.

من جانبها، وضعت طهران قائمة مطالب مضادة تعكس رغبتها في ربط الملف النووي بالواقع الميداني في المنطقة، حيث طالبت بإغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج والحصول على تعويضات مالية عن الهجمات التي استهدفت أراضيها. كما تضمنت الشروط الإيرانية ضرورة الحصول على ضمانات دولية بوقف الضربات الإسرائيلية المستمرة على حزب الله في لبنان، في محاولة لفرض معادلة تلازم المسارات.

وعلى الرغم من هذه المحاولات الإيرانية، نقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين إسرائيليين تأكيدهم أن العمليات العسكرية في الجبهة الشمالية تسير وفق مسار منفصل تماماً عن أي تفاهمات سياسية مع طهران. وأوضح المسؤولون أن تل أبيب تمتلك تفاهماً مع الإدارة الأمريكية يقضي بضرورة معالجة تهديد حزب الله بشكل مباشر، بعيداً عن مخرجات المفاوضات النووية أو الإقليمية الجارية حالياً.

الحرب على حزب الله ليست مرتبطة بالمفاوضات مع إيران، وتل أبيب تستعد لمواصلة عملياتها في لبنان حتى في حال التوصل إلى اتفاق.

ميدانياً، يواصل جيش الاحتلال عدوانه الواسع على الأراضي اللبنانية منذ مطلع شهر مارس الجاري، حيث تركزت الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع. وقد ترافق هذا القصف الجوي مع عمليات توغل بري وصفتها مصادر عسكرية بالمحدودة في القرى الحدودية الجنوبية، وسط مواجهات ضارية مع مقاتلي حزب الله على عدة محاور.

ووفقاً لآخر الإحصائيات الصادرة عن السلطات اللبنانية، فقد أدى العدوان المستمر منذ الثاني من مارس إلى ارتقاء 1072 شهيداً وإصابة نحو 2966 آخرين بجروح متفاوتة. كما تسببت العمليات العسكرية في موجة نزوح كبرى هي الأضخم في تاريخ لبنان الحديث، حيث اضطر أكثر من مليون مواطن لترك منازلهم واللجوء إلى مناطق أكثر أمناً في ظل ظروف إنسانية قاسية.

وفي السياق السياسي، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تفاؤلاً حذراً بشأن إمكانية فتح مسار دبلوماسي مع إيران ينهي حالة التوتر، رغم استمرار الضربات المتبادلة منذ أواخر فبراير الماضي. ومع ذلك، لم يصدر أي تعليق رسمي من البيت الأبيض أو الخارجية الأمريكية يؤكد أو ينفي الربط بين الاتفاق المحتمل مع إيران ووقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام كافة الاحتمالات.




الحرب المفتوحة… الأهداف والميادين والأطراف والزمن

هاني المصري

تقترب الحرب من إتمام شهرها الأول، ولا أحد يعرف متى ستنتهي. فالحروب يُعرف من يشعلها، لكن لا يُعرف مَن وكيف ومتى يمكن إنهاؤها. ولعلّ أنسب تسمية لها هي “الحرب المفتوحة”؛ فهي بأهداف مفتوحة ومتغيّرة، تبدأ من تدمير قدرات إيران، وتمرّ بإسقاط النظام، ولا تستبعد إسقاط الدولة وتفتيتها.
أهداف هذه الحرب متغيّرة، أولاً نتيجة طبيعة دونالد ترامب الذي يكذب كما يتنفّس، ويناقض نفسه باستمرار حول أهداف الحرب وما أنجزته وما يمكن أن تنجزه، وهل سيوقفها أم لا. وثانياً لاختلاف الأولويات والحسابات وبعض الأهداف بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال؛ فما يهمّ واشنطن أكثر رضوخ النظام، عبر تغيير قيادته أو تغيير سياسته، باتفاق أو من دونه، بينما أولوية تل أبيب استمرار الحرب حتى إسقاط النظام ورفض التوصّل إلى اتفاق، ومن المفضّل تفتيت إيران إلى دويلات طائفية عرقية متحاربة، تعمّم نموذج إسرائيل دولةً عنصريةً دينية، وتساعدها في تحقيق طموحاتها بإقامة “إسرائيل الكُبرى” والهيمنة على الشرق الأوسط، مع أن قدرات إسرائيل، التي تبيّن أنها لا تستطيع أن تخوض حرباً وتنتصر فيها حتى لو كانت بالشراكة مع الولايات المتحدة، أصغر من أطماعها. ولأنّ تبنّي أهداف كُبرى يتطلّب موافقة الكونغرس، جرى التحايل عبر وصف الحرب بـ”عمليات عسكرية”، وتقديمها ضرباتٍ استباقية. وقد استند هذا التوصيف إلى روايتَين أميركيتَين رسميتَين متناقضتَين: الأولى لمنع مباغتة إيرانية ناجمة عن الزعم بأن طهران ستقوم بضربة استباقية، والثانية أن حكومة نتنياهو كانت ستبادر إلى الحرب في كلّ الأحوال، فرأت إدارة دونالد ترامب أن تحظى بميزة الضربة الأولى.
التراجع عن هدف إسقاط النظام لا يعني التخلّي عنه بل يعكس سقوط الرهان على انهياره السريع.
التراجع العلني عن هدف إسقاط النظام لا يعني التخلّي عنه كلّياً، بل يعكس سقوط الرهان على رضوخ النظام الإيراني أو انهياره السريع عبر انقلاب داخلي أو انتفاضة شعبية. ومع ذلك، لا يعني هذا التوقّف عن السعي إلى إضعافه تمهيداً لإسقاطه لاحقاً. لذلك وضعت إيران شروطاً لأيّ تسوية، في مقدّمتها وقف الحرب، لا مجرّد وقف إطلاق النار، فطهران تخشى استئناف الحرب لاحقاً إذا لم تتوافر ضمانات دولية تحول دون استئنافها، فالتجربة، كما في قطاع غزّة، وفي فلسطين عموماً، تُظهر أنّ وقف النار قد يوقف حرب الإبادة الشاملة والتهجير القسري الواسع، لكنّه لا ينهي أشكالاً أخرى من الحرب: القتل، والتدمير، والتهجير “الطوعي”، والضم التدريجي، والفصل العنصري، والحصار، والعقوبات الجماعية، وصولاً إلى فرض وصاية استعمارية بأسماء مضلِّلة.
وهي حرب مفتوحة جغرافياً، إذ امتدّ ميدانها ليشمل دولاً في الشرق الأوسط، مع قابلية اتساعها لتضمّ أطرافاً إضافيةً وممرّات مائية أخرى، ما قد يحوّلها من حرب إقليمية ذات أبعاد دولية إلى حربٍ عالمية ثالثة. كما أنّها حربٌ مفتوحة زمنياً؛ فقد تستمرّ أسابيع أو أشهراً، وربّما تمتدّ سنواتٍ في ظلّ سيولة غير مسبوقة في النظام الدولي، وانهيار النظام العالمي القديم، واحتدام الصراع على شكل العالم الجديد، وما إذا كان سيبقى نظاماً أحادياً أم يصبح تعدّدي القطبية، أم يأخذ شكلاً جديداً. وهي حرب تُسرّع هذا التحوّل، وتستمدّ وقودها منه في الوقت ذاته.
أمام هذه الحرب أربعة سيناريوهات رئيسة: استمرارها بالوتيرة الحالية، تصاعداً أو تراجعاً، ضمن نمط حرب استنزاف؛ تصعيد واسع مع دخول أطراف جديدة، واستهداف البنية التحتية ومصادر الطاقة والممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، الذي قد يدخل الحرب إذا انخرط الحوثيون، وربّما يشمل تنفيذ عمليات برية للسيطرة على مواقع استراتيجية أو على مخزون اليورانيوم المخصّب؛ استخدام أسلحة الدمار الشامل، بما فيها النووية التكتيكية؛ وقف الحرب، باتفاق أو من دونه.
تحديد السيناريو الأرجح يتطلّب معطيات غير متوافرة بالكامل لدينا، لكنّ المؤشّرات الحالية تفيد بوجود سباق بين مساري التصعيد والاحتواء من دون حسم واضح قاطع لأيّ منهما.
في ضوء مستوى معيّن من توازن القوى القائم، يبدو أن السيناريو الأول الأقرب على المدى القصير، لأنّه يحقّق بعض أهداف الأطراف من دون الانزلاق إلى مخاطر كُبرى. لكنّه، في الوقت ذاته، لا يفضي إلى نصر حاسم، بل إلى معادلة “خاسر – خاسر”. ومع ذلك، يُنظر إلى بقاء النظام الإيراني من دون رضوخ لشروط أعدائه نوعاً من الانتصار النسبي، لأنّ نتائج الحروب تُقاس أساساً بمدى تحقق أهداف من بدأها. لذلك ستسعى إدارة البيت الأبيض إلى تحقيق نصر واضح ملموس يبرّر وقف الحرب، فترامب يخشى من الهزيمة كما يخشى من عدم النصر، لانعكاس هذا وذاك على فرصه في الفوز بالانتخابات النصفية المقبلة. لذا، سيسعى جاهداً إلى الحصول على صورة نصر، فإذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات في مجلسَي النواب والشيوخ، ستدخل إدارته مرحلة “البطّة العرجاء”، وقد تنجح محاولات عزله قبل نهاية مدّته الرئاسية، ويدخل التاريخ من أضيق أبوابه زعيماً نرجسياً كذّاباً فاشلاً ومهزوماً، رغم أن بلاده تملك أقوى جيش في العالم، ومتفوّقة تكنولوجياً واقتصادياً على عدوها. ولكن عقيدة تنتصر على التفوّق، والتفوّق العسكري، وما ينتج منه من دمار وموت، لا تقود إلى حسم سياسي، فإيران تدافع عن نفسها، والمدافع يحظى بمزايا لا يتمتّع بها المهاجم والمعتدي، وقدرة المدافع على التحمّل أكبر. فمن يدافع عن نفسه لديه دوافع أعمق وأكثر من مهاجم يريد زيادة نفوذه ومصالحه، والضحية لا تملك سوى الدفاع عن نفسها في حرب وجودية، ومستعدّة لدفع الأثمان الغالية برضى شعبي واسع، كما يظهر في المظاهرات المؤيّدة للنظام والرافضة للعدوان، والداعية إلى الانتقام، في ظلّ أن أهداف الحرب الخفية لا تقتصر على إسقاط النظام وتغيير سياسته، وإنما تصل إلى إسقاط إيران دولةً، بما في ذلك خطر تفتيتها.
وقف الحرب هو الخيار الأقلّ كلفةً والأكثر عقلانية، لكن فرصه الفورية محدودة
أمّا سيناريو التصعيد، فيظلّ قائماً وجارياً تنفيذه، لكنّه محكوم بسقوف الكلفة العالية. فالتدخّل البرّي مثلاً قد يؤدّي إلى خسائر بشرية كبيرة، خصوصاً للقوات الأميركية، من دون ضمان تحقيق أهدافه، خصوصاً تدفّق النفط، مع خطر التورّط في “مستنقع” شبيه بتجارب فيتنام والعراق وأفغانستان. في المقابل، يُعدّ استخدام أسلحة الدمار الشامل السيناريو الأضعف احتمالاً، لما ينطوي عليه من مخاطر كارثية تتمثّل في تجاوز خطّ أحمر، وسابقة قابلة للتكرار في أوكرانيا وغيرها، ما قد يدفع نحو مواجهة دولية شاملة. ومع ذلك، لا يمكن استبعاده كلياً، في ظلّ تلاقي تيارات دينية – أيديولوجية متطرّفة حاكمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، ترى في هذه الحرب معركةً مصيريةً تتجاوز الحسابات التقليدية والمصالح، وتعتمد على تصوّرات وأهداف عقائدية دينية.
أمّا وقف الحرب، فرغم أنه الخيار الأقلّ كلفةً والأكثر عقلانية، فإن فرصه الفورية محدودة في ظلّ التصعيد العسكري وحشود القوى، وعدم بدء تفاوض جدّي، وعدم نضج شروط تسوية يقبلها الطرفان. ولكنّه وارد، ولا يمكن أن يتحقّق إلا بضغط دولي حاسم، أو تغيّر نوعي في موازين القوّة، أو ضغوط داخلية أميركية أقوى، في ظلّ معارضة معظم الأميركيين للحرب، بمَن فيهم أشخاص في الإدارة وقادة ومؤثّرون في الحزب الجمهوري وتيار “أميركا أولاً”. ودائماً، يبقى سيناريو “البطّة السوداء” قائماً، أي حدث غير متوقّع يحصل ويغيّر مسار الصراع جذرياً، وهو أمر ليس نادراً في الشرق الأوسط.
تبقى مسألة موقف الدول العربية، وخاصة الخليجية، التي وجدت نفسها في قلب حرب ليست حربها. وقد أحسنت صنعاً بعدم الانخراط فيها رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ورغم تعرّضها لهجمات طاولت بنى تحتية وأهدافاً مدنية. هناك أزمة وتحدّيات غير مسبوقة، لكنّها تنطوي على فرصة تاريخية. فالمطلوب عربياً موقف واضح في مستوى اللحظة التاريخية يقوم على: إدانة العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، ورفض استهداف إيران البنية التحتية والنفطية والمدنية في دول الخليج، وتجنّب الانخراط في الحرب في كلّ الأحوال، ورفض استخدام القواعد العسكرية الأميركية تمهيداً لإزالتها في أقرب وقت ممكن، والدفع نحو علاقات إقليمية قائمة على الحوار وحسن الجوار، بعيداً عن الهيمنة والأطماع والأذرع. فالدرس الأهم أن الأمن لا يتحقّق بالاستقواء بالخارج أو بالقواعد العسكرية، التي لم توفّر الحماية، وأصبحت عبئاً ومصدراً للخطر وسبباً للاستهداف، بل ببناء منظومة أمنية خليجية وعربية، ثم إقليمية ودولية، تقوم على المبادئ والقيم الإنسانية وتوازن القوى والمصالح والشراكة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة أنّ الأمن الذاتي وحده يوفّر الأمن.




تحذيرات من إفراغ الأغوار: تراجع الوجود الفلسطيني إلى 1500 نسمة بفعل اعتداءات الاحتلال

أكد معتز بشارات، مسؤول ملف الاستيطان والأغوار بمحافظة طوباس أن الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار الشمالية يواجه تهديداً وجودياً غير مسبوق. وأوضح بشارات أن المنطقة تشهد تراجعاً حاداً في أعداد السكان منذ سنوات، نتيجة تضافر اعتداءات المستوطنين مع الإجراءات العسكرية المشددة التي يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأشار المسؤول الفلسطيني إلى أن التغير في الواقع الديموغرافي بات ملموساً وواضحاً للعيان، حيث انخفض عدد المقيمين في تلك التجمعات بشكل دراماتيكي. وبين أن المنطقة التي كانت تعج بآلاف الفلسطينيين الذين يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي، أصبحت اليوم شبه خالية من سكانها الأصليين.

وبحسب الأرقام التي أوردها بشارات، فقد كان يعيش في مناطق الأغوار الشمالية أكثر من 6 آلاف مواطن فلسطيني في فترات سابقة. إلا أن هذه الأعداد تقلصت بفعل سياسات التهجير القسري لتصل اليوم إلى نحو 1500 مواطن فقط، ما يعكس حجم الضغوط الممارسة على الأرض.

ولم يقتصر التراجع على أعداد الأفراد، بل امتد ليشمل التجمعات السكانية بحد ذاتها، حيث كشف بشارات عن اختفاء عشرات القرى والمضارب. فبعد أن كانت المنطقة تضم نحو 28 تجمعاً سكانياً فلسطينياً، لم يتبق منها اليوم سوى ثمانية تجمعات تصارع من أجل البقاء.

وعزا بشارات هذا التدهور إلى الهجمات اليومية التي ينفذها المستوطنون، والذين يقدر عددهم بنحو 750 ألف مستوطن في عموم الضفة الغربية والقدس المحتلة. وتهدف هذه الاعتداءات الممنهجة إلى ترويع المواطنين ودفعهم للرحيل عن أراضيهم ومصادر رزقهم لتسهيل السيطرة عليها.

وأوضح أن أساليب التضييق لا تقتصر على العنف الجسدي المباشر، بل تشمل حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر المياه الحيوية. كما تمنع قوات الاحتلال المزارعين من دخول أراضيهم، مما يحول دون استمرار نشاطهم الزراعي الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لهم.

وذكرت مصادر محلية أن هذه الظروف القاسية أجبرت عائلات بأكملها على مغادرة مساكنها التاريخية والبحث عن ملاذات أكثر أمناً. وقد أدى هذا النزوح القسري إلى تفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي لتلك التجمعات التي صمدت لعقود طويلة في وجه الاحتلال.

كان يعيش في مناطق الأغوار أكثر من 6 آلاف مواطن فلسطيني، أما اليوم فلم يبق سوى نحو 1500 مواطن فقط نتيجة الضغوط المتواصلة.

وشهد العامان الماضيان تصعيداً خطيراً في عمليات التهجير، خاصة في مناطق المالح والمضارب البدوية التي كانت تعد مراكز رئيسية لتربية المواشي. وأفاد بشارات بأن معظم هذه التجمعات تعرضت لإخلاء شبه كامل، ولم يتبق في بعضها سوى عائلتين فقط في مواجهة غلاة المستوطنين.

وحذر المسؤول من التداعيات الاقتصادية الكارثية لهذا الإخلاء، معتبراً أن الأغوار هي السلة الغذائية الأهم للضفة الغربية. فمغادرة السكان تعني توقف إنتاج الخضار والفواكه والمحاصيل الاستراتيجية، مما يضرب الاقتصاد المحلي الفلسطيني في مقتل ويزيد من التبعية للاحتلال.

كما نبه بشارات إلى خطورة المشاريع الهندسية التي ينفذها جيش الاحتلال في المنطقة، من إقامة جدران وسواتر ترابية وإغلاق للطرق. واعتبر أن هذه الإجراءات تهدف إلى عزل الفلسطينيين في معازل ضيقة ومنعهم من التواصل الجغرافي مع محيطهم الطبيعي في محافظة طوباس.

وكشف بشارات عن مخططات إسرائيلية لعزل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، قد تصل إلى أكثر من 190 ألف دونم في محافظة طوباس وحدها. وهذا العزل سيؤدي في حال اكتماله إلى فقدان الفلسطينيين لآلاف الدونمات من أخصب الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية.

ووصف المسؤول ما يحدث في الأغوار بأنه عملية تطهير عرقي بطيئة تهدف إلى حسم الصراع على الأرض لصالح المشروع الاستيطاني. وأكد أن استمرار الصمت الدولي على هذه الممارسات يشجع الاحتلال على المضي قدماً في إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين.

وفي ظل هذه المعطيات، يجد السكان المتبقون أنفسهم في مواجهة يومية مع المجهول، حيث تضطر بعض العائلات للنزوح المتكرر خلال أشهر قليلة. وتعيش هذه العائلات حالة من عدم الاستقرار الدائم نتيجة التهديدات المستمرة بهدم الخيام ومصادرة الممتلكات والمواشي.

وختم بشارات تصريحاته بالتحذير من أن الوجود الفلسطيني في الأغوار بات في رمقه الأخير إذا لم يتم التحرك العاجل لدعم صمود السكان. وشدد على أن حماية الأغوار هي حماية لمستقبل الدولة الفلسطينية، نظراً لمكانتها الجغرافية والاقتصادية والسياسية الحساسة.




تصعيد ميداني في إيران: غارات تطال منشآت الطاقة في أصفهان وخرمشهر وواشنطن تعلن ضرب 9 آلاف هدف

تعرضت منشآت حيوية للطاقة في مدينتي أصفهان وخرمشهر الإيرانيتين لسلسلة من الغارات الجوية فجر الثلاثاء، في إطار التصعيد العسكري المستمر الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل منذ نهاية فبراير الماضي. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف طال مبنى إدارة الغاز ومحطة لتخفيض الضغط في شارع كاوه بمدينة أصفهان، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية جسيمة.

وذكرت تقارير إعلامية أن الانفجار الذي وقع في أصفهان كان شديداً لدرجة تسببه في أضرار جزئية ببعض الأبنية السكنية المجاورة للمنشأة المستهدفة. ورغم حجم الدمار، أشارت المصادر إلى أن المنشأة كانت خارج مدار التشغيل الفعلي قبل وقوع القصف، وهو ما ساهم بشكل نسبي في تقليل حجم الخسائر التشغيلية المباشرة.

وفي مدينة خرمشهر الواقعة جنوبي البلاد، سقط مقذوف في محيط أحد خطوط الغاز الرئيسية التي تغذي محطة لإنتاج التيار الكهربائي. وبحسب مسؤولين محليين، فإن الانفجار لم يسفر عن وقوع إصابات بشرية أو خسائر مادية تذكر في البنية التحتية للمحطة، مؤكدين أن الوضع تحت السيطرة الأمنية والفنية.

من جانبها، كشفت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في بيان رسمي عبر منصة ‘إكس’ عن حصيلة عملياتها العسكرية الواسعة داخل الأراضي الإيرانية. وأكد البيان استهداف أكثر من 9 آلاف هدف عسكري واستراتيجي منذ اندلاع المواجهات، مشيراً إلى استخدام مزيج من القاذفات الاستراتيجية والمقاتلات والطائرات المسيرة.

وأوضحت ‘سنتكوم’ أن الهجمات الجوية والبحرية والبرية أسفرت عن تدمير أو إلحاق أضرار بالغة بأكثر من 140 سفينة حربية تابعة للبحرية الإيرانية. وتأتي هذه الإعلانات في وقت أكد فيه الجيش الإسرائيلي تنفيذ موجة غارات استهدفت مقرات تابعة للحرس الثوري ووزارة الاستخبارات في العاصمة طهران.

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها استهدفت أكثر من 9 آلاف هدف داخل إيران منذ بدء العمليات العسكرية في أواخر فبراير الماضي.

وعلى الصعيد الأمني الداخلي، أعلنت وزارة الأمن الإيرانية عن تنفيذ عملية أمنية واسعة أسفرت عن إلقاء القبض على 30 شخصاً وصفتهم بـ’العملاء’. وتركزت هذه الاعتقالات في محافظات همدان ولورستان وكرمان، وذلك في إطار جهود طهران لملاحقة ما تسميها شبكات التجسس والعمليات التخريبية المرتبطة بالخارج.

وفي خضم هذا التصعيد العسكري، برزت مؤشرات على تحركات دبلوماسية خلف الكواليس تهدف إلى احتواء الأزمة المتفاقمة. ونقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين أن هناك ترتيبات لعقد محادثات محتملة بين واشنطن وطهران خلال الأيام الخمسة المقبلة، بمساهمة فاعلة من تركيا ومصر لتيسير هذا الحوار.

وأكد مسؤول رفيع في الخارجية الإيرانية أن طهران تلقت بالفعل مجموعة من النقاط والمقترحات من الجانب الأمريكي عبر وسطاء دوليين. وأشار المسؤول إلى أن الجهات المختصة في إيران تعكف حالياً على دراسة هذه النقاط قبل الرد عليها، في ظل ضغوط دولية متزايدة لفتح مضيق هرمز وتأمين إمدادات الطاقة العالمية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدد في وقت سابق بضرب منشآت الطاقة الإيرانية الكبرى ما لم يتم التراجع عن تقييد الملاحة في مضيق هرمز. وتسبب الإغلاق الجزئي للمضيق المستمر منذ مطلع مارس في اضطرابات حادة بأسواق النفط العالمية، مما دفع أسعار الخام وتكاليف الشحن إلى مستويات قياسية.

يذكر أن الصراع المندلع منذ 28 فبراير الماضي قد خلف مئات القتلى والجرحى، وشهد أحداثاً دراماتيكية كان أبرزها مقتل المرشد علي خامنئي. وتواصل طهران ردودها العسكرية عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه أهداف إسرائيلية ومصالح أمريكية في المنطقة، وسط تحذيرات دولية من انزلاق الأوضاع إلى حرب إقليمية شاملة.




ارتفاع أسعار النفط وانخفاض الذهب