1

في يعبد.. قاعة أفراح تتحول إلى مركز تحقيق

 عبد الباسط خلف- لم يكن أمين زيد الكيلاني يعلم أن قاعة الأحلام، في يعبد جنوب غرب جنين، التي شيدها قبل 15 عاما، ستتحول إلى مركز توقيف وتحقيق ميداني مع العشرات من شبان البلدة وفتيانها.

ويفصل مالك القاعة لـ”الحياة الجديدة” تفاصيل اقتحام الصالة الواسعة، وسط بلدته، ورفع أعلام الاحتلال فوقها، واستحداث 4 نقاط للتحقيق داخلها.

ويفيد بأن منصة العرسان حولها الجنود إلى نقطة تحقيق، ووضعوا زاوية أخرى في المدخل الرئيس، وثالثة في منتصف القاعة، ورابعة قرب الساحة، واستعملوا مقاعد العرسان لجلوس المحققين، وكسروا أحد الكراسي المخصصة للعرسان.

ويوضح بأن المقتحمين وزعوا مناشير ورقية داخل الصالة الواسعة، تحمل لغة تهديد ووعيد للأهالي، في شهر رمضان وغيره.

ويشير إلى أن جيش الاحتلال حطم أبواب القاعة، وعبث في محتوياتها، وكسر بعض الكراسي والطاولات.

ووفق زيد الكيلاني، فإن القاعة تمتد على 600 متر، وسبق أن تعرضت لحصار خلال فرح في الصيف الماضي، مثلما استهدفها الجنود بإطلاق نار ثقيل قبل نحو عامين، ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم، على أجهزة التكييف والجدران والأبواب.

ويؤكد أن آخر عرس أقيم في القاعة قبل نحو أسبوع، ولم يسبق أن حولها جيش الاحتلال إلى نقطة تحقيق.

بدوره، يؤكد مدير البلدية، محمد العبادي، أن الاحتلال اقتحم البلدة من عدة محاور قرابة السابعة والنصف صباح أمس الإثنين، ودفع بتعزيزات من محاورها الأربعة، وشرع في حملة اعتقالات وتوقيف طالت قرابة 60 شابا.

ويفيد بأن الاقتحام تواصل حتى قرابة الساعة الثالثة، وتخللته إضافة إلى حملة التوقيف، اعتداءات على البيوت المقتحمة، وعبث في محتوياتها.

ويبين العبادي أن الجنود لم يفرضوا حظر تجوال على البلدة، لكن كثافة الآليات المقتحمة أعاقت تنقل المواطنين، وعرقل الاقتحام انتظام الدراسة والدوائر الرسمية والبلدية.

ويشير إلى أن البلدية أخلت رياض الأطفال في البلدة، بعد وقت قصير من بدء الاقتحام. 

ويقول أحد الشبان الذين شملتهم حملة التوقيف لـ”الحياة الجديدة” إن التحقيق معه كان صعبا، وتخللته شتائم وتهديد وتخويف، واعتداءات بالضرب والركل، قبل إطلاق سراحه.

وتتعرض بلدة يعبد منذ أكثر من عامين لاستهداف واسع ومداهمات متكررة، منذ خريف 2023، وحول الاحتلال في السابق عدة منازل فيها لثكنات عسكرية فترات طويلة، قبل إخلائها.




هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!

الحارث الحصني- في العام 1997 قدم نايف زواهرة إلى منطقة البرج بالأغوار الشمالية، بعدما مكث مدة من الزمن في أم الجمال  القريبة.

كان زواهرة في الثانية والعشرين من عمره، وفي ذلك العام دخل القفص الذهبي ليؤسس لمرحلة جديدة وملهمة في حياته.

أمضى الرجل ثلاثة عقود إلا قليلًا (29 عامًا) متنقّلًا بين الجبال القريبة والبعيدة عن خيامه، يرعى ماشيته دون أن يواجه خطرًا يحول دون ممارسة مهنته. لكن في العامين الماضيين حدث تغيرا كبيرا قلب المنطقة كلها رأسا على عقب، أدخل الرجل وباقي العائلات في دوامة يبدو أنها لن تنتهي قريباً.

بدأ الاستعمار الرعوي كبؤر وحظائر للماشية على قمم الجبال، ثم بدأ بالتوسّع تدريجيا من الاستيلاء على المراعي، فإجبار الرعاة على تركها بالقوة، ثم الهجمات المتتالية على المواطنين في خيامهم.

يقول زواهرة: “بدأنا نواجه المستعمرين منذ عام 2018 لكن كانت الأمور طبيعية”. أحضر مستعمرون في تلك السنة قطيع بقر وأبقوه في الحظيرة، ثم بدأت الأمور تزداد سوءاً بعدها.

كان كل شيء بالنسبة له قابل للاحتمال، باستثناء مداهمة المستعمرين لخيامه ليل نهار.

قال زواهرة: “تركّزت هجمات المستعمرين في الفترة الأخيرة في الليل (..)، كانوا ينشرون الرعب في كل مكان”.

يواجه الفلسطينيون في الشريط الشرقي لمحافظة طوباس مصيرا واحداً ومتشابها.

في الشهر الحالي، أجبرت اعتداءات المستعمرين بحق المواطنين حوالي عشرين عائلة على ترك مساكنها في تجمعي البرج والميتة.

كان زواهرة من الذين هجّروا من البرج باتجاه منطقة تسمى صافح تياسير شمال شرق طوباس.

تعيش العائلات الفلسطينية التي أجبرت على ترك مساكنها في الأغوار الشمالية، شعور الفقد بشكل واضح.

واقفا أمام خيمته التي نصبها قبل أيام، قال زواهرة: “تركنا وراءنا أرضنا، خيامنا وكل شيء وراءنا”.

“ثلاثة أجيال خرجت من الأغوار الشمالية (..)، أنا وأولادي وأحفادي”. قال زواهرة.

لكن نجله محمد كان في ذلك النهار، قد استطاع الوصول بحذر شديد مرة أخرى إلى مكان سكنه لجلب بعض الحاجيات الأساسية للمعيشة.

ومع تسجيل استمرار هجرة العائلات من أماكن سكناها إلى مناطق أخرى، يمكن طرح هذا السؤال: “هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!”. لمعرفة الجواب، بحاجة لشهادة واحدة على الأقل لمن هجرت عائلته عام 1948.

تقول يسرى محاميد من مخيم الفارعة للاجئين، إحدى اللواتي شهدن النكبة بكل تفاصيلها، إن الزمن يعيد نفسه.

كانت “الكفرين” وهي قرية قريبة من أم الفحم، وقد هجّرت منها محاميد مليئة بينابيع المياه، ولذلك كانت جميلة لانتشار البساتين المزروعة بأصناف مختلفة من المحاصيل.

بالنسبة لزواهرة فإن المناطق المفتوحة في الأغوار الشمالية، تصبح أجمل في الربيع. يقول: “هذه البلاد أيضاً جميلة”.

إن التشابه في سرد الوصف الدقيق عن جمالية كل منطقة يعطي انطباعا متشابها عن الشعور بالفقد.

تقول محاميد: “عندما خرجنا من القرية ظننا أنها مدة قصيرة وسنعود… لم نأخذ إلا الأشياء الثمينة معنا”.

لكن يبدو أن زواهرة لديه انطباعاً مغايراً تماما، عندما قال لمراسل “وفا”، سنلاقي مصير أجدادنا الذين هجّروا في النكبة، لكن لن نأمل بالعودة قريباً”.

إن ما يزيد هذا الاحتمال المشؤوم لدى الرجل هي دلالات تحدث على أرض الواقع. فالحديث الرسمي لدى بعض الوزراء المتطرفين في حكومة الاحتلال عن فرض “السيادة الإسرائيلية” على الأغوار، ومناطق أخرى في الضفة الغربية مؤشر قوي لذلك.

في اليوم الذي هُجرت فيه عائلة محاميد كانت يسرى حسب روايتها مع طفلة أخرى تملآن جرتي فخار بالماء من إحدى الينابيع، وفي طريق عودتهما لاقتا العائلات قد بدأت بالنزوح فعلا. سبق ذلك اليوم هجمات للعصابات اليهودية على قرى قريبة من الكفرين.

لاقى زواهرة حالا أشد قسوة من ذلك الحال عندما وصل به أن يلاحقه إرهاب المستعمرين حتى وسط خيامه، حتى أجبر على ترك مسكنه والرحيل إلى منطقة قرب طوباس.

لكن، هل انتهت قصة زواهرة مع المستعمرين؟!. الإجابة لا. يقول الرجل أنه في نفس اليوم الذي بدأ بنصب خيامه في المكان الجديد كان المستعمرون ذاتهم يراقبونه عن قرب.

ويضيف: “يبدو أننا لن ننعم كثيراً بليالي هادئة”. ثم أشار بيده شمالاً وقال هناك على رأس الجبل بؤرة استعمارية.

ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها السنوي لعام 2025، ما مجموعه 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.

وتظهر المعطيات أن جيش الاحتلال كان الفاعل الرئيسي في هذه الانتهاكات بتنفيذه 18384 اعتداءً، فيما نفذ المستعمرون 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً عن “سيطرة الدولة”، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.

في واقع باتت فيه سلطات الاحتلال تفرض سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المسماة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، لم تعد الأرقام توصيفاً محايداً للواقع، بل دليلاً مادياً على مشروع سياسي استعماري يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وعلى صعيد إرهاب المستعمرين، أسفرت الاعتداءات خلال العام 2025 عن استشهاد 14 مواطناً فلسطينياً، إلى جانب إشعال 434 حريقاً متعمداً في ممتلكات وحقول المواطنين، منها 307 حرائق في ممتلكات خاصة و127 حريقاً في أراضٍ زراعية، تركّز معظمها في محافظات رام الله ونابلس والخليل وطولكرم. كما وثّقت الهيئة 892 اعتداءً أدت إلى اقتلاع وتخريب وتسميم 35273 شجرة، من بينها 26988 شجرة زيتون، في استهداف مباشر للبعد الاقتصادي والرمزي للأرض الفلسطينية.

لم يتوقف هذا الإرهاب عند حدود التخريب، بل أدى إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، تضم 197 عائلة بواقع 1090 فرداً، في خطوة تعكس سياسة اقتلاع قسري ممنهجة تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستعماري.




لماذا الضفة لا تقاوم؟!

بكر أبوبكر

في جَمْعٍ من المؤتمرين كان السؤال: لماذا لا تقاوم الضفة الفلسطينية الآن؟ بالشكل الواضح أو المؤثر؟! رغم كل الانتهاكات الفظيعة للناس والأرض والحياة، وتنوعت الاجابات، وتبيان الأسباب!
قال الفاتح- أظن أن ما حصل من فعل التدمير الشامل والابادة الجماعية للصهيوني العنصري قد أعطت الفلسطيني المتروك وحيدًا في الميدان- خاصة في مقتلة غزة- نموذجًا لسوء المآل، حين يطلق الفلسطيني المقامر العنان للخيال، فيظن أن الأمة ستهب لنجدته! والساحات لن تتوقف عن نصرته! والسلاح المهترئ لن تنضب عدته، والفضائيات الكاذبة ستجرد سلاح بلدانها لتعزيز قوته! وأن الخيلاء الذي صاحب البدايات لن يخبو بريقه! فكانت النتيجة من الهزيمة والدمار الشامل مدخلًا للتراخي، أو الخوف، أو إعادة النظر أوإعادة التفكر والدخول لي حالة انتظار وترقب، ولربما تيهٍ طويل.
قال التالي- الشعور بالانكسار بعد الكارثة والنكبة الثانية العظمى منذ 17/8/2023 والبدء بمذبحة المعمداني، وتدمير غزة وتواصل المذابح وانكفاء السلاح وسقوط المحاور، وتعاظم عدد الشهداء.
قال المتأمل: لكل شعب مرحلة يحتاج فيها إما للاستراحة (سمّها استراحة المقاتل) للمراجعة واعادة النظر. وقد يكمن لفترة، لكنه سيقفز ثانية ليحقق ما عجز عنه في مراحل، أو قصّر فيه في مراحل. فالعجزُ الحالي ليس حقيقة رغم طغيان الوضع الميداني المقابل بطائراته ودباباته والحريق، وإنما العجز حالة ذهنية سرعان ما يستفيق منها الناس وفي خلال شعرة سينهضون بإذن المولى.
قال العقلاني: إن القوة المادية بالتقابل بين الصهيوني (المهيمن على فلسطين والاقليم العربي)، وبين صاحب الأرض لم تعد فقط مختلة بل ومعتلّة وبالدم مبتلّة! فالقوى المتناسبة تقريبًا فيما سبق (الثورة، والانتفاضات، والعمليات، والهبّات، والحراكات ….) قد سقطت مع صعود العقل الفاشي والبربري اليميني الإسرائيلي الإقصائي للغير والداهم الذي انطلق فيه التوحش اللاإنساني يضرب شمالًا وجنوبًا مع مقتلتِهِ المرعبة في غزة، فتحصّن بروايته بما حصل فارتكب المجازر بمحبة وفرح! وقرنها بخرافات التوراة وأساطيرها التي تمجّد القبيلة القديمة المندثرة، وانطلق منها ليقصف كل من لا يلعق غبار نعليه، كما قالت التوراة:”أنَّ الربَّ أمرَ كلَّ أجنبيٍّ إذا لَقِيَ يَهودِيًّا أنْ يَسجُدَ له على الأرضِ، ويَلحَسَ غُبارَ نَعلَيهِ” (اشعيا 23:49)!؟
وقال المُستثَار: لا تلوموا الشعب بل لوموا قياداته الانقلابية، فهي التي جرّت البلاد لمقتلة غير محسوبة العواقب، والتاريخ لن يرحمها ولا الشعب. وهي التي قصّرت بمدّ اليد لبعضها البعض، فكيف لفصيل أن يجتريء على الكل الوطني ويعلن حربه الخاصة! ضد وحش يفوقها آلاف المرات! استنادًا لأوهام وغباء وخطل حسابات، أو لتطويع آيات كريمة لم يكن من ضمن فهمهم لها أن القوة بكافة أشكالها وعلى رأسها وحدة الصف الوطني والعربي المسبقة، ولم يفهموا معنى الاستطاعة والحدود ضمن معادلة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).
وقال ضدّه: إن اتفاقيات أوسلو، والتنسيق الأمني، وفساد السلطة هما الأساس في انفضاض الناس، أو سكونهم، وما لهم لا يدافعون عن أرضهم  إلا لأن قادتهم جامدون متجمدون فاشلون مفشلون، وفي الإسرائيلي مرحبّون! وهم يمثلون محور الاستسلام في مقابل محور المقاومة والممانعة، وعليه وجبت المفاصلة أولًا، والآن بين المعسكرين أو الفسطاطين.
قال المُعتبِر: لربما أن العِظة والعبرة قد فعلت مفعولها بانكسار السلاح الذي غابت عنه السياسة، وبعدم القدرة على إداراك المتغيرات والمستجدات، وعدم وعي حجوم القوى والاختلال العظيم، والإيغال بتقدير الكفاح المسلح وحده والقدرة الذاتية المنفردة وكسر ساق الوحدة الوطنية قد قضت على كل أمل باعادة استخدامه بأي شكل من الأشكال. وسقط الحجر مع حجم الرد المدوّي من الطائرات العادية والمسيّرة، وتراجعت مظاهر المقاومة الشعبية مع الصرخة التي يقابلها 3 مخازن من الرصاص، إضافة الى التجاهل العربي باستثناء فضائيات الكذب والتدليس والفُرقة والشحن للعواطف بلا أي فعل، والعبرة سوء التدبير في غزة.
قال المضغوط: إن “حماس” قد قتلت الوحدة الوطنية منذ استفردت بقطاع غزة وحولته رهينة لأهدافها الحزبية فقط التي لا ترى فلسطين الا مسواكًا! ولا ترى الشهداء الا خسائر جانبية فقامرت بحروب مرة ومرتين وثلاثة ثم ما كان من (جريمة العصر) باليد الصهيونية في غزة، وخُذلت وبدل أن تعتبر أخذتها العزة بالإثم حتى تنازلت عن كل شيء بالتدريج، ولم تجد الا التمسك بأنفاسها الأخيرة، حتى لو انتهت القضية وسقطت الدولة المِسواك!
قال صاحب الجرس: إن الكمون هو سمة الشعب البطل، والتوقف للحظات لا تساوي شيئًا في عمر الزمن سيعقبه هدير وعاصفة، وستجد من الموكوسين الموجوعين من يعلّق الجرس وينهض، فما بعد الهزيمة الا فجر يوم جديد يستغله الأبطال للانقضاض بشكل ابداعي قد لا يخطر على بال أحد.
قال صاحب الأمل: يعيش الشعب في حالة حزن وبلبلة وانكسار، نعم لسبب النكوص والنتيجة المفجعة في غزة ولضعف الحركة الرسمية العربية والعالمية، ولافتقاد البوصلة التي يحملها القائد، وتراجع جملة واسعة من الاهداف الجامعة، والأمل الكبير.
قال الأخير: لعلي فيما قلتموه أتفق مع الكثير ولعلي أختلف في بعضه فلست الا مستمعًا بينكم وما أظنني بقادر على التفصيل والواقع الأليم يضغط على البطون والأجساد في غزة، وعلى  القلوب والأفهام في كل فلسطين، بل والمنطقة المأسورة للمهيمن الصهيوأمريكي والشراهة الغربية الاستهلاكية منزوعة القيم والقضايا الجامعة، فكيف لمن افتقد الأساسيات أن يفكر بعِظام الأمور؟ فالانكسار وفقدان الامل وضعف القيادة وحالة المقامرة الوطنية والهزيمة النفسية- وإن في ظني ستكون مؤقتة- تحتاج لقائد أمثولة وقائد نموذج يحمل المشعل ويدرك التوازنات ويلم الأشتات، ويرسم الطريق بروح الجماعة، ويقهر بشعبه الثابت على أرضه والصامد روح الهزيمة حاملًا على كتفيه أدوات جديدة، مع آيات النصر ورحابة الأمل الذي لا ينفد، وما لا ينقضي من عمل كثير.




على أنقاض الدمار.. انطلاق أول بطولة لقدامى كرة القدم في غزة منذ عامين

استعاد قطاع غزة جزءاً من نبضه الرياضي مع انطلاق بطولة غزة الرمضانية لكرة القدم لقدامى اللاعبين، وهي المنافسة الأولى من نوعها التي تُنظم في القطاع منذ أكثر من عامين. وتأتي هذه الخطوة في ظل ظروف قاسية خلفتها حرب الإبادة الجماعية، حيث يسعى الرياضيون لإحياء روح الأمل خلال شهر رمضان المبارك وتجاوز تداعيات العدوان المستمر.

أشرفت الجمعية الفلسطينية لقدامى الرياضيين على تنظيم هذا الحدث برعاية من مبادرة ‘الفارس الشهم’ الإغاثية، حيث احتضنت صالة نادي خدمات النصيرات وسط القطاع حفل الافتتاح. وأكدت الجهات المنظمة أن البطولة تعكس إصرار المنظومة الرياضية على استعادة نشاطها رغم حجم التحديات الهائل الذي يواجه السكان والمنشآت على حد سواء.

شهدت المباراة الافتتاحية مواجهة قوية جمعت بين فريقي شباب رفح وخدمات النصيرات، وانتهت بفوز الأول بهدفين مقابل هدف واحد وسط أجواء مفعمة بالذكريات. ووصف نادي خدمات النصيرات المباراة بأنها استحضار للجيل الذهبي الذي ترك بصمة واضحة في تاريخ الكرة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الحضور الجماهيري عكس تعطش الناس للفعاليات الرياضية.

تتواصل منافسات البطولة على ملاعب مختلفة، من بينها ملعب عنان في مدينة دير البلح، حيث من المقرر أن يلتقي اتحاد دير البلح مع اتحاد الصحفيين. كما تشمل الجولات القادمة لقاءات تجمع أهلي غزة مع قدامى جباليا، وخدمات المغازي مع فريق الترابط، مما يعزز من حالة الحراك الرياضي في المحافظة الوسطى.

تأتي هذه البطولة في وقت يعاني فيه القطاع الرياضي من خسائر فادحة، حيث تشير تقارير رسمية إلى استشهاد 1007 من منتسبي الحركة الرياضية والشبابية والكشفية خلال الحرب. كما طال الدمار الممنهج نحو 265 منشأة رياضية، ما جعل من إقامة أي نشاط كروي تحدياً لوجستياً وأمنياً كبيراً يتطلب جهوداً استثنائية.

الرياضة كانت وستبقى رمزاً للوحدة والأمل، ونجوم الأمس ما زالوا قادرين على إشعال الحماس وإعادة البسمة إلى الجماهير.

على الصعيد الإنساني العام، خلفت الحرب الإسرائيلية المدعومة أمريكياً منذ أكتوبر 2023 واقعاً كارثياً، حيث ارتقى أكثر من 72 ألف شهيد وأصيب ما يزيد عن 171 ألفاً. وتسببت العمليات العسكرية في تدمير 90% من البنية التحتية للقطاع، مما جعل حياة 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 1.5 مليون نازح، عبارة عن صراع يومي من أجل البقاء.

أفادت مصادر طبية بأن الاحتلال يواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، حيث سُجل استشهاد 614 فلسطينياً وإصابة 1643 آخرين منذ بدء سريان الاتفاق. وتؤكد هذه الأرقام هشاشة الوضع الأمني واستمرار الاستهداف المباشر للمدنيين في مختلف مناطق قطاع غزة رغم التفاهمات الدولية.

تقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار ما دمره الاحتلال في غزة بنحو 70 مليار دولار، في ظل انهيار كامل للمرافق الخدمية والرياضية والصحية. ورغم هذا الدمار الشامل، يرى القائمون على البطولة الرمضانية أن استئناف اللعب هو رسالة صمود سياسية واجتماعية تؤكد تمسك الفلسطينيين بأرضهم وحقهم في ممارسة حياتهم الطبيعية.

أوضح نادي خدمات النصيرات في بيان له أن البطولة تمثل دعماً متواصلاً للرياضة الفلسطينية التي حاول الاحتلال تغييبها عبر استهداف الملاعب والأندية. وأضاف البيان أن نجوم الأمس يثبتون اليوم أنهم قادرون على إعادة البسمة للجماهير المنهكة، وأن الرياضة ستظل دائماً وسيلة لتوحيد الصفوف في وجه الأزمات.

يُذكر أن جذور الصراع تعود إلى عام 1948 حين أقيمت إسرائيل على أراضٍ فلسطينية محتلة بعد ارتكاب مجازر وتهجير مئات الآلاف من السكان الأصليين. ومنذ ذلك الحين، يواصل الاحتلال رفض الانسحاب أو السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة، مستمراً في سياسات الحصار والعدوان التي طالت كافة مناحي الحياة بما فيها القطاع الرياضي.




الاحتلال يمعن في التنكيل بالأسرى: حرمان من مواعيد الصيام وتغييب قسري لمظاهر رمضان

كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين عن سياسة تنكيلية جديدة تنتهجها إدارة سجن عوفر الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين مع حلول شهر رمضان المبارك. وتتمثل هذه الإجراءات في تعمد إخفاء مواعيد أذاني الفجر والمغرب، مما يحرم المعتقلين من أداء فريضة الصيام والإفطار في مواعيدها الصحيحة، في محاولة واضحة لكسر إرادتهم وتجريدهم من ممارسة شعائرهم الدينية.

وأكدت مصادر قانونية أن هذه الممارسات لا تقتصر على سجن عوفر فحسب، بل تمتد لتشمل سجوناً أخرى مثل سجن جلبوع، حيث فوجئ الأسرى ببدء الشهر الفضيل دون إبلاغ رسمي من الإدارة. وقد نقل المحامي خالد محاجنة شهادة مؤلمة عن أحد الأسرى الذي علم ببدء رمضان صدفة خلال جلسة محاكمته، معبراً عن صدمته لعدم معرفة أي من المعتقلين بدخول الشهر الكريم.

وفي ظل هذا التعتيم المتعمد، وجه الأسرى في سجن عوفر القريب من رام الله نداءات استغاثة عبر رسائل نقلها محررون، يطالبون فيها أئمة المساجد في القرى والبلدات المحيطة برفع صوت الأذان عبر مكبرات الصوت. ويهدف هذا الطلب إلى تمكين الأسرى من سماع النداء وتحديد مواقيت الصلاة والصيام، بعد أن أحكمت إدارة السجن قبضتها على كافة وسائل التواصل مع العالم الخارجي.

وتشير التقارير الحقوقية إلى أن الأسرى يواجهون ظروفاً قاسية تتجاوز حرمانهم من المعلومات، حيث يُجبرون على تناول كميات ضئيلة جداً من الطعام لا تسمن ولا تغني من جوع. ووصف المحامي محاجنة الوضع بأن الأسرى يدخلون رمضان بلا سحور حقيقي، بينما يتحول الإفطار إلى لحظات من الوجع المستمر بسبب سياسة التجويع الممنهجة التي تتبعها مصلحة السجون منذ أكثر من عامين.

دخل الأسير القاعة واستقبلته بتهنئة بحلول رمضان. سألته: كيف الصيام معك؟ نظر إليّ وقال، اليوم رمضان؟! ما حد قال لنا إنه بلش.

ويقبع حالياً في سجون الاحتلال ما يزيد عن 9300 أسير فلسطيني، من بينهم نحو 350 طفلاً، يعيشون في ظروف تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية. وتؤكد منظمات حقوقية فلسطينية ودولية أن هؤلاء الأسرى يتعرضون لعمليات تعذيب ممنهجة وإهمال طبي متعمد، وهو ما أدى إلى ارتقاء عشرات الشهداء داخل الأسر نتيجة غياب الرعاية الصحية والضغط النفسي والجسدي المستمر.

بالتزامن مع هذه الانتهاكات داخل السجون، أفاد نادي الأسير الفلسطيني بأن قوات الاحتلال صعدت من حملات الاعتقال في مختلف مدن الضفة الغربية منذ اليوم الأول لشهر رمضان. وقد طالت هذه الاعتقالات أكثر من 100 مواطن، شملت فئات متنوعة من النساء والأطفال والأسرى المحررين، في خطوة تهدف إلى ترهيب الشارع الفلسطيني ومنع أي مظاهر للاحتفاء بالشهر الفضيل.

وتأتي هذه الهجمة المسعورة في وقت تشهد فيه مناطق متفرقة من الضفة الغربية اعتداءات متكررة من قبل المستوطنين، والتي توفر غطاءً أمنياً لتوسيع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية. ويسعى الاحتلال من خلال هذه الإجراءات المتكاملة بين السجون والميدان إلى طمس أي ملامح للفرح أو الاستقرار لدى العائلات الفلسطينية، وتحويل المناسبات الدينية إلى محطات من المعاناة والقلق على مصير أبنائهم.