1

بنك البريد.. ملاذ ذوي الأسرى والشهداء وحماية للقطاع المصرفي التقليدي

حوالي مليار شيقل قيمة ما يتداوله البريد الفلسطيني سنويا من خلال تحصيله لمختلف مصادر الإيرادات

ابراهيم ابو كامش- دعا باحثون وخبراء المال والاعمال والاقتصاد الى تعزيز وتوسيع الخدمات المالية التي يقدمها البريد الفلسطيني من أجل توفير الخدمات المالية للأسرى والجرحى وذوي الشهداء، والوصول إلى شرائح جديدة في المجتمع من الفئات التي لا تستطيع الوصول إلى الخدمات المالية التي تقدمها البنوك التقليدية.

جاء ذلك خلال لقاء الطاولة المستديرة 2022، امس، الذي ناقش موضوع: دور بنوك البريد في توفير الخدمات المالية خارج النظام المصرفي التجاري وجدوى إقامته في فلسطين، الذي عقد في قاعة المهد برام الله وعبر تقنية زووم. بمشاركة مدير البحوث في معهد”ماس” د. رابح مرار، مدير دائرة الانضباط في سلطة النقد عنان السامري، مدير عام البريد الفلسطيني معاذ دراغمة، ورئيس نادي الاسير الفلسطيني قدورة فارس، ورجال اعمال وخبراء اقتصاد ومال وباحثين.

ويعتبر المشاركون أن إنشاء بنك بريد رسمي بترخيص وإشراف سلطة النقد كباقي البنوك التجارية الأخرى، غير عملي وغير مطروح على طاولة صناع القرار الآن.

خطوة استباقية

وقال د. مرار خلال عرضه نتائج ورقة الموقف التي اعدها “ماس”: “اعيدت فكرة إنشاء بنك البريد إلى الواجهة وبقوة بعد تفاقم أزمة تحويل رواتب الأسرى من البنوك الفلسطينية في العام 2020، ما دفع الحكومة إلى دفع مستحقات الأسرى، والأسرى المحررين، والجرحى، وذوي الشهداء عبر صرافات آلية منتشرة في مكاتب البريد، ويتم إدارتها من قبل موظفين في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات”.

وقال د. مرار: “هذه أولى الخدمات المالية التي يقدمها البريد الفلسطيني، والنواة الأولى لفكرة إنشاء بنك البريد. لكن هذا لا يعني أن قرارا قد اتخذ بالفعل لإنشاء بنك البريد كجسم منظم ومستقل عن الخدمات البريدية الأخرى، ويتمتع بصفة اعتبارية. فعلى الرغم من الحاجة الكبيرة لإنشاء البنك وتوفر المبررات العملية لضرورة اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، إلا أن هناك العديد من التحديات أو الخطوات الواجب اتخاذها أو أخذها بالاعتبار من قبل الجهات التنظيمية والإشرافية”.

ويرى د. مرار، ان تصنيف النظام المالي الحكومي بنك البريد كدائرة صرف مالي تتبع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وليس كجهة مستقلة، جاءت في خطوة استباقية من الحكومة، لتجنب العقوبات الإسرائيلية الظالمة ولتعزيز شرعية البريد في صرف رواتب الأسرى والجرحى وعوائل الشهداء.

مبررات وجود بنك البريد

تبين ورقة الموقف التي قدمها د. مرار أن أحد أهم مبررات وجود بنوك البريد هو توفير الخدمات المالية للأسرى والجرحى وعوائل الشهداء، حيث تصرف الحكومة بناء على قانون الأسرى والمحررين رقم (19) للعام 2004 رواتب لأكثر من 11 ألف أسير ومحرر، بما يعادل 52 مليون شيقلا. خلال الأعوام (2015–2017) أقر الكنيست الإسرائيلي عشرة قوانين وإجراءات تتعلق بالأسرى، وتشدد العقوبات عليهم، أخطرها إصدار قائد جيش الاحتلال بيني غانتس، أمرا عسكرياً يحمل الرقم 1827، مع اعتباره ساري المفعول بعد ثلاثة أشهر، والذي يحظر على البنوك الفلسطينية الاحتفاظ بحسابات الأسرى ولكن تم تجميد القرار على أن يصبح ساريا مع بداية العام 2021 نتيجة لرفضه على المستوى الرسمي والشعبي. بناء على القرار قامت دولة الاحتلال باقتطاع جزء من المستحقات المالية للسلطة والتي تعادل قيمة المبالغ التي تدفعها الحكومة الفلسطينية للأسرى وأسر الشهداء.  إثر ذلك قررت الحكومة الفلسطينية في أواخر شهر آذار من العام 2021 صرف رواتب الأسرى الفلسطينيين عبر مكاتب البريد المنتشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تم صرف أول راتب بتاريخ 6/4/2021، من خلال 20 صرافا آليا في مختلف محافظات الوطن.

تنويع خدماته المصرفية المالية

بدوره اكد دراغمة على المعانيات التي يتعرض لها موظفو البريد، منوها الى انه خلال العام 2019 لوحده، تم استقبال أكثر من 900 ألف مادة بريدية من الخارج وبنمو مقداره 44% عن العام السابق، بالإضافة إلى عشرات آلاف الطرود المحلية. هذا يتطلب نموا كبيرا في البنية التحتية والإمكانات اللوجستية والبشرية، إلا أن ضعف الإيرادات والأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة منذ سنوات تحول دون توفر الميزانيات الكافية.

وقال: “يتداول البريد الفلسطيني ما يقارب مليار شيقل سنويا من خلال تحصيله لمختلف مصادر الإيرادات، وتقتضي المنافسة الشديدة من شركات النقل والتوزيع الخاصة والبريد الإسرائيلي، أن يقوم البريد الفلسطيني بإصلاح إطاره التنظيمي وتطويره بقصد الرفع من مردوديته ما يتطلب تنويع خدماته المصرفية المالية التي تحقق هذا المسعى، لا سيما منح القروض بكافة أنواعها. كما أن التوفيق بين الخدمة العمومية البريدية ومقتضيات قانون النقد والقرض، يقتضي بالضرورة البحث عن تصور قانوني يمكن معه استحداث مؤسسة ائتمانية جدية، يناط بها القيام بالعمليات المصرفية الأساسية والتبعية على السواء”.

وفي هذا السياق، ينظر المسؤولون في البريد الفلسطيني إلى توفير الخدمات المالية كفرصة كبيرة من أجل تعزيز الإيرادات المالية والتي من شأنها أن توفر الميزانيات اللازمة لتطوير البنية التحتية البريدية والانتشار في مختلف المناطق، بالإضافة إلى توفير الكوادر البشرية المؤهلة والقادرة على التعامل مع النمو المتسارع في الطلب على الخدمات البريدية وأيضا الخبرات والكفاءات في مجال الخدمات المصرفية.

مكاتب البريد أكثر وصولا للفئات المهمشة

من جهته اشار السامري إلى أن الانخفاض في مستويات الشمول المالي  خاصة لدى الفئات المهمشة كالفقراء والعاطلين عن العمل، والشباب، والنساء، والشركات متناهية الصغر والصغيرة، اذ تبلغ نسبة الشمول المالي للسكان البالغين 36.4% فقط العام 2015. تظهر الأرقام الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية للعام 2021، أن 46% فقط من الأفراد البالغين في فلسطين لديهم على الأقل حساب بنكي واحد، و7% لديهم على الأقل قرض بنكي واحد. 

واكد السامري، ان مكاتب البريد أكثر وصولا للفئات المهمشة مثل الفقراء والنساء والأشخاص خارج القوة العاملة والعاطلين عن العمل والسكان في المناطق “ج”، من خلال عملها كمزود للخدمات المالية المتنوعة مثل خدمات تحويل الأموال، ودفع الفواتير، وخدمات الادخار والتأمين.

وجود بنك للبريد أمر ذو أهمية

أما فارس، فاكد انه وعلى الرغم من الآلية الجديدة التي ابتكرتها الحكومة من أجل استمرار صرف رواتبهم عبر مكاتب البريد، إلا أنهم يعانون من انعدام الخدمات المالية المتاحة لهم بعد إغلاق حساباتهم البنكية ورفض أيا من المؤسسات المالية المصرفية وغيرها التعامل معهم.

 لذلك يعتبر فارس، فكرة وجود بنك للبريد أمرا ذا أهمية بالغة للأسرى والجرحى وأسر الشهداء، من أجل شمولهم ماليا وليتمتعوا كما باقي فئات المجتمع بالخدمات المالية المختلفة.




المعتقل عواودة يواصل إضرابه عن الطعام لليوم ال 151




الاحتلال يرفض تحديد موعد لإخلاء البؤرة الاستيطانية “حومش”




طالت 15 مواطناً.. اعتقالات ومداهمات في الضفة




هديل بطراوي.. فتاة كسرت احتكار الرجال

 في كل يوم نشهد على حكاية حلم وتحد تشق طريقها بإرادة وتصميم لتكسر سكون القبول بالأمر الواقع، فالحياة تفتح أبوابها للمقبلين عليها بعزيمة الوصول لغاياتهم، وتطبق بأنيابها على من يتوسلون المرور دون عناء. فمن قال إن الأحلام والطموح يحددهما النوع الاجتماعي؟!

“رغم دراستي الجامعية لتخصص القانون وعملي لأكثر من عامين مع المؤسسات الدولية بعد تخرجي من جامعة بيرزيت، إلا أن حُلمي بأن أكون من أوائل النساء اللواتي تمكن من الحصول على رخصة قيادة السيارات الكبيرة (تريلا) وقيادتها ظل يشحذ همتي لبلوغ هذا الهدف كلما شقت الشمس طريقها من بين ستائر الظلام، ومع كل يوم جديد كانت خطواتي تقترب من تحقيق هذا الحلم”، بهذه الكلمات بدأت هديل بطراوي (26 عاما) من مدينة رام الله تسرد قصة نجاح لنا، في حوار ذكرنا بأن المرأة الفلسطينية خُلقت لتكون فارسة ورائدة في مختلف الميادين.

حول البدايات، تقول هديل: “الشغف والطموح والتحدي، هذه الكلمات كانت بمثابة الحافز والبوصلة لي منذ الصغر، الجلوس على مقعد القيادة وقيادة شاحنة كان حلم الطفولة بالنسبة لي، هذا كان شغفي وحلمي الذي سعيت لتحقيقه، لدي شغف وحب لقيادة السيارات بشكل عام، كما أنني أملك معرفة واسعة في ميكانيكا السيارات، وأدائها، وهذه ارتبط باهتمامي المتواصل بمتابعة سباقات السيارات دون انقطاع، كما سعيت دائما لجمع المعلومات عن كل ما يخص المركبات، لكن نقطة الأساس في هذا الحلم كانت رؤيتي لوالدي الذي هو بالأساس سائق (تريلا) وتشجيعه لي خاصة حينما كنت صغيرة وأراقبه وأنا طفلة من نافذة المنزل واقول له: لما أكبر رح أسوق تريلا، وعليه وضعت طاقتي وشغفي لتحقيق هذا الحلم، وبدأت بالبحث عن كل المعلومات التي تخص هذا الموضوع”.

الطريق طويل بين الحلم وتحقيقه على أرض الواقع، أمور كثيرة تلعب دورا في التأثير الايجابي أو السلبي، ومع مغريات وظروف وتحديات الحياة، قد تتغير الأولويات، لكن في حالة هديل، بقي الإصرار وبقيت العزيمة، تكمل قصتها: “عندما كبرت صممت على تحقيق الحلم بالحصول بداية على رخصة قيادة سيارة خصوصي، ثم رخصة شحن خفيف، ثم رخصة شحن ثقيل، وصولا الى رخصة قيادة (تريلا)، تقريبا العملية أخذت مني قرابة الثماني سنوات لأني لم أكن متواصلة، وعادة ما تحتاج العملية أربع سنوات ونصف السنة، وحصلت على رخصة قيادة الـ (تريلا) من أول مرة”.

لا نجاح دون بيئة أسرية واجتماعية حاضنة ومساعدة، فمهما كان الحلم ومهما كانت غاياته، يتطلب الدعم والمساندة وقبل ذلك التفهم من الدائرة القريبة ولاحقا من المجتمع، “وهذا ما سهّل عليّ الطريق رغم خصوصية الهدف والحلم وبعده عن المجالات التي تهتم بها النساء والطالبات في عمري بشكل عام، لقد تلقيت الدعم من جميع أفراد عائلتي خاصة من أبي الذي علمني أولى خطوات المشي حتى أوصلني الى أن أقود (تريلا). أنا تربيت في منزل لا يفرق بين ذكر وأنثى، عائلتي تؤمن بوجود نفس العقل والصفات الذهنية للجنسين، ولم تنظر الى أن قيادة الـ (تريلا) تخص الرجال دون النساء، صراحة لم نكن نتوقع ان يكون هناك صدى كبير وضجة في المجتمع حول قيادتي لـ (التريلا). بالنسبة لي هو حلم وحققته، لكن ما أثار الضجة ان مجتمعنا يصنف قيادة هذا النوع من المركبات حكرا على الرجال”، تقول هديل.

الأقران والزملاء صمام أمان لحياتنا جميعا، والصداقة الجيدة والمتفهمة تعتبر عتبة مهمة للدعم والمساندة، وفي ذلك تقول: “وجدت في دائرة صديقاتي تفهما محفوفا بالمساندة وأنا أشاركهن حلمي ورغبتي هذه، وللمفارقة بات مطلوبا مني تنويع استخدام هذه الناقلة الكبيرة من الشحن لتقديم (لفة وزفة) بـ (التريلا)، لكل واحدة تريد أن تتزوج من صديقاتي، انها إشارة لكسر الصورة النمطية التي تحد من الإبداع والتعبير عن طاقاتنا”.

الإرادة.. بوصلة

الطريق لتحقيق أحلامنا ليس مفروشا بالتسهيلات في أحيان كثيرة، بل هي رحلة صعود نحو القمة، وفي تجربتي تقول هديل: “لم تواجهني أية صعوبات على الجانب المتعلق بتعلم القيادة وممارستها، لكن هناك تحديات تواجه سائق (التريلا) على الشارع وهي أن بعض السائقين يريدون مسابقة (التريلا) وتجاوزها، كما أن وجود نقاط عمياء في شاحنة (التريلا)، يضع صعوبات أمام سائقها في كشف الشارع بشكل عام، كما اكتشفت من خلال تجربتي أن السائقين من الرجال بشكل عام ليست لديهم خبرة كافية في مواصفات شاحنة (التريلا)، وكيف تعمل على الطرقات، وهذه أمور تتطلب من السائق الالتزام بالقانون، لأن طبيعة الشاحنة وحجمها والحمولة التي تحملها يفرض عليه الالتزام بالقانون واجراءات السلامة، لأن المخاطرة قد تؤدي لنتائج أخطر بكثير مما يظن البعض”.

رغم تقدمنا في فتح مجالات الحياة أمام المرأة الفلسطينية، إلا أن هناك مساحة كبيرة لا تتفهم إقدام المرأة على هذا النوع من القيادة، فتشير هديل لمواجهتها انتقادات وتعليقات تحت عنوان “ماذا ستفعل فتاة برخصة شحن (تريلا)؟”، وتقول: “رغم تأكيدي على أن هذا الأمر هو شغف طفولة وليس للعمل، لكل إنسان حلم أو شغف، وأنا حققت هذا الحلم، وللأسف تعرضت لانتقادات سلبية، وبعض المجتمع ينظر إلى هذا الأمر على أنه ليس من اختصاص المرأة أو أنها غير قادرة على تحقيقه وأنه للرجل فقط، رغم أنني أؤكد هنا أنني لم أدخل هذا المجال من قبيل المنافسة، بل من باب الشغف لا أكثر، ولكن أيضا أؤكد ان المرأة قادرة على قيادة (التريلا) واتخاذها كعمل لكسب الرزق، ويمكن للمرأة أن تحافظ على انوثتها حتى لو قادت التريلا”.

هذه هي قصة فتاة حَمَلَها حُلْمها لتقود مركبة ثقيلة بكل المقاييس، ولكنها قصة تقول: لا مستحيل إذا امتلكنا الإرادة والعزم، فكلما كان الحلم كبيرا كلما كانت الجهود وربما التضحيات أكبر لتحقيقه، ليست الغاية كسر القوانين، ولا التعدي على الثقافة والقيم الاجتماعية والوطنية التي نعتز بها، لكن هي مناسبة للتأكيد على وجود حلم في الحياة هو بوصلة مهمة للأجيال، والسعي لتحقيقه بروح ايجابية هي الطريق لكشف الطاقات وشحذ الارادات.

وتختتم هديل حديثها بقولها: “رسالتي لكل الشابات والشباب، اسعوا خلف تحقيق أحلامكم مهما كانت بسيطة، ولا تستسلموا، وإحساسي بانجاز هذا الحلم دفعني للتقدم خطوة للأمام نحو إكمال درجة الماجستير في جامعة نيوهامشاير/ في مجال الملكية والتكنولوجيا”.