
كشفت تقارير طبية حديثة عن تطورات مقلقة تتعلق بانتشار سرطان القولون والمستقيم في الولايات المتحدة، حيث دقت مجموعات طبية ناقوس الخطر بشأن تزايد الحالات بين البالغين الأصغر سناً. وأشار تحليل جديد للبيانات الصحية إلى أن هذه الزيادة لا تقتصر على فئة الشباب فحسب، بل بدأت تشمل جميع الفئات العمرية تقريباً بشكل غير مسبوق.
أظهرت الإحصائيات الصادرة عن الجمعية الأميركية للسرطان ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بين البالغين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 20 و49 عاماً بنسبة تصل إلى 3% سنوياً. ووفقاً لهذه البيانات، فقد أصبح هذا المرض بحلول عام 2026 السبب الرئيس للوفيات الناجمة عن السرطان في هذه الفئة العمرية، مما يستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.
تناول التحليل الجديد بيانات المعهد الوطني للسرطان التي شملت كافة الفئات العمرية حتى سن السبعين عاماً لرصد التحولات الوبائية. وخلص الباحثون إلى أن معدل الإصابة العام شهد تذبذباً واضحاً، حيث انخفض من 55.2 حالة لكل 100 ألف شخص في عام 2000 ليصل إلى 36.7 في عام 2022، قبل أن يعاود الارتفاع مجدداً.
سجلت البيانات ارتفاعاً جديداً في معدل الإصابة ليصل إلى 38.3 حالة لكل 100 ألف شخص خلال عام 2023، وهو ما أثار قلق الأوساط العلمية. وأوضحت كيتلين مورفي، قائدة الدراسة من جامعة شيكاغو أن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها رصد زيادة في المعدل الإجمالي للإصابات منذ أكثر من عقدين من الزمن.
أشارت النتائج المنشورة في مجلة طبية متخصصة إلى أن الزيادة الأكبر سجلت في الفئة العمرية ما بين 45 و49 عاماً، حيث بلغت نسبة الارتفاع السنوي نحو 12.76%. ويرى الخبراء أن هذا الارتفاع الحاد في هذه الفئة تحديداً يعود بشكل أساسي إلى تكثيف عمليات الفحص المبكر بعد تعديل التوصيات الطبية الرسمية.
كانت التوصيات الأميركية السابقة تنصح ببدء الفحص عند سن الخمسين، إلا أنه تم خفض السن الموصى به إلى 45 عاماً للكشف عن الحالات بشكل أبكر. وقالت مورفي إن هذه النتائج تؤكد أن الفحص يحقق الغرض المرجو منه عبر اكتشاف الأورام في مراحلها الأولى، مما يسهل عملية العلاج والسيطرة على المرض.
رغم نجاح الفحوصات في الكشف المبكر، إلا أن الباحثين أكدوا أن زيادة معدلات الفحص لا تفسر وحدها الارتفاع العام في الإصابات بين مختلف الأعمار. ويشير هذا التوجه إلى وجود عوامل خطر أخرى غير معروفة حتى الآن، قد تكون مرتبطة بالتغيرات البيئية أو أنماط الحياة الحديثة التي تؤثر على الصحة العامة.
حذر الخبراء من أن العوامل البيئية المجهولة قد تبدد المكاسب التي تحققت بفضل برامج الفحص المبكر والتقدم في التقنيات الطبية. وشدد الباحثون على ضرورة إجراء المزيد من الدراسات لتحديد المسببات الحقيقية وراء هذا الارتفاع المفاجئ في معدلات الإصابة بين الفئات العمرية التي كانت تعتبر أقل عرضة للمرض.
في سياق متصل، نجح فريق بحثي منفصل في تحديد أدلة جزيئية جديدة تساعد في تفسير سبب كون سرطان القولون أكثر فتكاً لدى المرضى الأصغر سناً. وقام الفريق بتحليل عينات من 189 ورماً تعود لمرضى من مختلف الأعمار للبحث عن الفوارق البيولوجية التي تتغير مع التقدم في السن.
أظهرت النتائج أن المرضى الأصغر سناً لديهم نشاط أعلى للحمض النووي الريبي غير المشفر الطويل، وهي جزيئات معقدة تنظم عمل الجينات. وتلعب هذه الجزيئات دوراً محورياً في توجيه الخلايا دون إنتاج بروتينات، مما قد يساهم في زيادة عدوانية الخلايا السرطانية وسرعة نموها لدى الشباب.
لاحظ الباحثون أيضاً وجود نشاط جيني مكثف يشير إلى وجود إشارات قوية بين الخلايا داخل الأورام التي تصيب الفئات العمرية الصغيرة. هذه الإشارات الخلوية قد تكون المسؤولة عن تحفيز الخلايا السرطانية على التحرك والانتشار بسرعة أكبر في الأنسجة المجاورة، مما يجعل العلاج أكثر صعوبة.
تساهم هذه الاكتشافات البيولوجية في فهم الطبيعة المختلفة للمرض لدى الشباب مقارنة بكبار السن، مما يفتح الباب أمام تطوير علاجات مخصصة. ويؤكد العلماء أن فهم التفاعل بين الجينات والبيئة المحيطة بالخلايا هو المفتاح للحد من الوفيات الناجمة عن هذا النوع من السرطان في المستقبل القريب.
تستمر الجهود البحثية في الولايات المتحدة لمواجهة هذا التحدي الصحي المتنامي عبر دمج التوعية المجتمعية مع الأبحاث الجينية المتقدمة. ويبقى الالتزام بجداول الفحص الدوري واتباع نمط حياة صحي هما خط الدفاع الأول لمواجهة مخاطر سرطان القولون والمستقيم التي باتت تهدد أجيالاً أصغر سناً.