1

تل الزعتر.. حين صار المخيم وطنًا صغيرًا لفلسطين

لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني

هناك أماكن لا تنتهي حين تسقط جدرانها، وأسماء لا تصبح من الماضي مهما حاول الزمن أن يضع بينها وبيننا مسافة من السنوات، وتل الزعتر واحد من تلك الأماكن التي بقيت واقفة في الذاكرة الفلسطينية رغم أن المخيم نفسه لم يعد قائمًا كما كان، لأن المكان حين يسكنه شعب يحمل وطنًا في قلبه يتحول من جغرافيا عابرة إلى شاهد، ومن شاهد إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى قضية لا تستطيع الحروب ولا المجازر ولا المنافي أن تطفئها.
في 12 آب/أغسطس 1976، لم يكن الفلسطينيون أمام نهاية مخيم فحسب، وإنما أمام واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ اللجوء الفلسطيني، بعدما عاش سكان تل الزعتر حصارًا طويلًا وقصفًا ومعارك أنهكت المخيم وأثقلت أيامه بالخوف والجوع والموت، ثم جاء سقوطه والمجزرة التي ارتبطت به لتضيف صفحة دامية إلى سجل شعب لم تبدأ مأساته في لبنان، ولم تنتهِ عند حدود مخيماته، وإنما ظل يحمل جرح النكبة من مكان إلى آخر، وكأن الفلسطيني كتب عليه أن يهرب من الموت ليجده في محطة جديدة من محطات المنفى.
لكن تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم.
كان فلسطين حين لم تكن فلسطين قريبة.
كان بيتًا صغيرًا للاجئين الكبار في أحلامهم، وكان في أزقته الضيقة متسع لحيفا وعكا ويافا وصفد والقرى التي تركها أهلها خلفهم عام 1948 وهم يحملون مفاتيح البيوت، وبعض الصور، وقليلًا من التراب، وكثيرًا من اليقين بأن العودة لن تتأخر، قبل أن تتحول الأيام إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، ويصبح المفتاح الذي كان يفترض أن يفتح باب البيت يومًا ما شاهدًا على وطن غائب، ودليلًا على أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الأرض من داخله.
كان في تل الزعتر جيل كامل من الفلسطينيين الذين ولدوا في المنفى وهم يعرفون أسماء أماكن لم تطأها أقدامهم، وكان الطفل يعرف القرية من صوت جدته، والمدينة من حديث أبيه، والبيت من صورة معلقة على جدار، وفلسطين من حكاية تتكرر كل ليلة حتى تصبح جزءًا من تكوينه، ولذلك لم يكن المخيم بالنسبة إلى سكانه مكانًا للنوم والطعام والعمل فقط، بل كان مساحة تحفظ ما تبقى من الوطن، ومكانًا يتوارث فيه الأبناء أسماء الذين سبقوهم، كما يتوارثون ملامح الوجه ولهجة القرية وذاكرة الطريق.
وحين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الفلسطيني قادرًا على الوقوف خارج العاصفة، فقد وجد نفسه داخل صراع شديد التعقيد تداخلت فيه القوى اللبنانية والفلسطينية والإقليمية، وتشابكت فيه المصالح والتحالفات والأسلحة، وتحولت المخيمات الفلسطينية إلى جزء من الجغرافيا الساخنة للحرب، وكان تل الزعتر، بحكم موقعه وظروفه، واحدًا من أكثر الأماكن تعرضًا للضغط والحصار، حتى أصبح سكانه يعيشون الأيام كما لو أن الموت يقف خلف الباب وينتظر لحظة الدخول.
في المخيم، لم تعد السياسة كما تُكتب في البيانات والخطب هي السياسة ذاتها التي يعيشها الناس، لأن الكلمات الكبيرة مثل التحالف والصراع والنفوذ والجبهة كانت تختصر داخل بيت صغير إلى أم تبحث عن الماء، وأب يحاول تأمين الطعام، وطفل يسأل عن موعد انتهاء القصف، ومريض ينتظر دواء قد لا يصل، وامرأة تحاول أن تخفي خوفها حتى لا يراه أطفالها في عينيها، ورجل يخرج في الصباح وهو لا يعرف إن كان سيعود في المساء، ولذلك فإن التاريخ الذي يريد أن يفهم تل الزعتر عليه أولًا أن ينظر إلى الإنسان الذي كان يعيش داخل الحصار، لا إلى الخريطة وحدها.
كان المخيم يتقلص تحت النار، وكانت الحياة تنسحب من تفاصيله شيئًا فشيئًا، بينما يتمسك الناس بما يستطيعون من يوم عادي، لأن الإنسان حتى في أقسى الظروف يحاول أن يصنع لنفسه شيئًا يشبه الحياة، فيغلي الماء، ويبحث عن رغيف، ويحاول تهدئة طفل، ويحتفظ بصورة عائلية، ويستعيد اسم قرية بعيدة، وكأن استحضار الوطن في لحظة الخوف كان شكلًا من أشكال المقاومة، وكأن الفلسطيني كان يقول للموت: يمكنك أن تحاصرني هنا، لكنك لن تستطيع أن تجعلني أنسى من أنا.
ثم جاء 12 آب/أغسطس 1976، اليوم الذي سقط فيه تل الزعتر بعد حصار ومعارك دامية، وارتبط سقوطه بمجزرة تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية، وبقيت تفاصيلها وأعداد ضحاياها موضوعًا لروايات ومصادر متعددة، لكن اختلاف الأرقام لا يغير جوهر المأساة، لأن الذين سقطوا لم يكونوا أرقامًا، وإنما كانوا بشرًا لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام، وكان لكل واحد منهم مكان في قلب أم أو أب أو زوجة أو طفل، وكان لكل بيت قصة انتهت فجأة بينما بقيت أبواب كثيرة مفتوحة على انتظار لا يأتي منه أحد.
الرقم لا يستطيع أن يحكي قصة طفل خرج من بين الركام وهو يبحث عن وجه يعرفه، ولا يستطيع أن يصف أمًا احتفظت باسم ابنها بعد أن غاب، ولا يستطيع أن يشرح معنى أن يعود الناجي إلى المكان فلا يجد البيت الذي عاش فيه، وأن يبحث في الركام عن شيء صغير يثبت أن الحياة كانت هنا، صورة، قطعة قماش، لعبة طفل، باب مكسور، أو مفتاح لم يعد يفتح شيئًا، ولذلك تبقى المجازر أكبر من الأرقام، ويبقى الإنسان هو الحقيقة الأولى في أي رواية عن الموت.
ولأن الفلسطيني يعرف معنى أن يُقتلع الإنسان من المكان، فقد حمل تل الزعتر معه بعد سقوطه، ولم تنتهِ الحكاية عند الذين بقوا تحت الركام، بل خرج الناجون من المخيم إلى أماكن أخرى، وحملوا معهم أسماء الذين رحلوا، وصور البيوت، وتفاصيل الأيام الأخيرة، وحكايات الخوف والجوع، ثم نقلوا كل ذلك إلى أبنائهم، وهكذا أصبح تل الزعتر مكانًا لا يحتاج إلى جدران كي يبقى، لأن الذاكرة الفلسطينية قادرة على بناء مخيم كامل من كلمة واحدة، وعلى إعادة شارع كامل من اسم شهيد، وعلى فتح باب قديم بمجرد أن يقول أحدهم: كان لنا بيت هنا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن تل الزعتر لا يمكن قراءته بمعزل عن النكبة الفلسطينية، فالنكبة لم تكن يومًا واحدًا انتهى في عام 1948، وإنما كانت مسارًا طويلًا من الاقتلاع واللجوء والتشرد، ومن فقدان البيت والبحث عن مكان آمن، ومن محاولة تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ ينتظر المساعدة، ومن صاحب تاريخ إلى رقم في سجلات المؤسسات، لكن الفلسطيني قاوم هذا التحويل بالذاكرة، فحفظ أسماء القرى، وأبقى المفاتيح، وروى الحكايات، وعلّم أبناءه أن المكان الذي ولدوا فيه ليس بالضرورة المكان الذي ينتمون إليه، وأن الوطن قد يغيب عن العين لكنه لا يغيب عن القلب.
ومن هنا يصبح تل الزعتر أكثر من ذكرى لمجزرة، لأنه يكشف جانبًا من المأساة الفلسطينية ظل يتكرر في صور مختلفة، حيث يصبح المخيم شاهدًا على أن اللجوء لم يكن نهاية النكبة وإنما امتدادًا لها، وأن الفلسطيني الذي ظن أن المخيم محطة مؤقتة وجد نفسه أمام أجيال جديدة تولد في المنفى، بينما يبقى السؤال الأول معلقًا في الهواء: متى نعود؟
هذا السؤال لم يمت مع الذين رحلوا في تل الزعتر، ولم يمت مع الذين غادروا المخيم، ولم يختفِ عندما ابتعدت الأجيال عن لبنان، بل انتقل مع الأطفال إلى أبنائهم، ومع الأبناء إلى أحفادهم، حتى أصبحت العودة جزءًا من الوعي الفلسطيني، لا لأنها شعار يقال في المناسبات، وإنما لأنها الحقيقة التي أبقت للمنفى حدوده، ومنعت المخيم من أن يتحول إلى وطن بديل، وحالت دون أن تصبح السنوات الطويلة دليلًا على سقوط الحق.
وعندما نستعيد تل الزعتر اليوم، فإننا نستعيد معه زمنًا كاملًا من التاريخ الفلسطيني، زمنًا كانت فيه الثورة تبحث عن طريقها وسط عالم عربي ودولي شديد التعقيد، وكانت فيه فلسطين حاضرة في الفكر والسياسة والتنظيم والمقاومة، وكانت أجيال من الفلسطينيين ترى أن استعادة الوطن ليست حلمًا فرديًا، وإنما قضية شعب بأكمله، وأن الطريق إليها قد يختلف من مدرسة إلى أخرى، لكن جوهر القضية يبقى ثابتًا: شعب اقتُلع من أرضه يريد أن يستعيد حقه في الحرية والكرامة والعودة.
وفي ذلك الزمن، كانت الكلمة سلاحًا، والصورة سلاحًا، والذاكرة سلاحًا، وكانت الحكاية الفلسطينية نفسها فعل مقاومة، لأن من يستطيع أن يحكي حكايته يستطيع أن يقاوم الرواية التي تريد محوها، ومن يستطيع أن يقول اسم قريته يستطيع أن يثبت أن القرية لم تختفِ بمجرد أن هُجّر أهلها، ومن يستطيع أن يحفظ اسم شهيده يستطيع أن يمنع موته من أن يتحول إلى رقم مجهول في كتاب قديم.
ولهذا فإن مسؤولية الذاكرة اليوم ليست أن تجعلنا أسرى للحزن، وإنما أن تجعلنا أكثر قدرة على فهم الحاضر، لأن فلسطين التي فقدت تل الزعتر لم تفقد المخيم وحده، بل فقدت بشرًا عاشوا فيه وحملوا وطنهم، ومن حق هؤلاء أن تبقى قصتهم حاضرة، لا من أجل إنتاج الكراهية، وإنما من أجل إنتاج الحقيقة، فالحقيقة وحدها تستطيع أن تمنع التاريخ من أن يتحول إلى رواية يكتبها المنتصرون، والعدالة تبدأ من الاعتراف بالإنسان الذي سقط ومنحه اسمه ومكانه في الذاكرة.
واليوم، حين ينظر الفلسطيني إلى غزة، لا يستطيع أن يمنع الذاكرة من استعادة صور قديمة، لأن الحصار والدمار والنزوح ومشهد العائلة التي تبحث عن مكان يحمي أبناءها يعيد إلى الوعي الفلسطيني أسئلة يعرفها منذ زمن بعيد، وإن كانت لكل حرب ظروفها وسياقاتها وأطرافها، فإن الإنسان الذي يبحث عن مأوى في غزة اليوم يعرف، بطريقة موجعة، معنى أن يصبح البيت هدفًا، وأن يتحول المكان الذي يفترض أن يحميك إلى مساحة خوف، وأن تحمل أطفالك من شارع إلى شارع وأنت لا تعرف أين يمكن أن تجد صباحًا أكثر أمانًا.
من تل الزعتر إلى غزة، ومن مخيمات لبنان إلى مخيمات فلسطين، تبدو الذاكرة كأنها خيط طويل يصل بين أجيال متباعدة، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالحرف، وإنما لأن قضية اللاجئ الفلسطيني لم تجد حلًا عادلًا، ولأن سؤال الوطن بقي مفتوحًا، ولأن الفلسطيني ما زال يواجه محاولات تحويل المأساة إلى أمر طبيعي، واللجوء إلى قدر دائم، والاحتلال إلى واقع لا يتغير.
لكن فلسطين ليست واقعًا يُفرض على الذاكرة.
فلسطين حكاية شعب.
وحكاية الشعب لا تنتهي لأن أحدًا حاول إغلاقها بالقوة.
لقد سقطت جدران تل الزعتر، لكن لم تسقط الحكاية، وتفرقت العائلات، لكن لم تتفرق الذاكرة، ورحل الشهود، لكن تركوا وراءهم أبناء يعرفون أسماء الذين رحلوا، وأحفادًا يعرفون أن وراء كل اسم قرية، ووراء كل قرية بيتًا، ووراء كل بيت وطنًا.
لهذا لا أكتب عن تل الزعتر باعتباره قبرًا للماضي، وإنما باعتباره شاهدًا على شعب رفض أن يموت في المنفى، وشاهدًا على أمهات حملن فلسطين في أصعب الظروف، وعلى أطفال كبروا وهم يحملون وطنًا لم يروه، وعلى ناجين لم يسمحوا للمجزرة أن تنتصر عليهم مرتين، مرة بالقتل ومرة بالنسيان.
وأنا أكتب اليوم، أرى في تل الزعتر أكثر من ركام، أرى وجه طفل يسأل عن أبيه، وأرى أمًا تخبئ مفتاحًا بين ثيابها، وأرى رجلًا يروي لأبنائه قصة البيت الذي تركه خلفه، وأرى فلسطين كاملة تختبئ في التفاصيل الصغيرة، في صورة قديمة، وفي اسم قرية، وفي مفتاح صدئ، وفي حكاية لا تزال تُروى رغم مرور نصف قرن.
أرى أيضًا ذلك المعنى الأعمق للثورة، حين تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، وحين تصبح الكتابة دفاعًا عن الذين لم تعد أصواتهم قادرة على الكلام، وحين يصبح الصحفي شاهدًا لا يكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما يبحث عن الإنسان الذي حاولت الحرب أن تمحوه من الصورة.
وهذا ما يجعل تل الزعتر حاضرًا فينا حتى اليوم، لأن الشهداء الذين رحلوا هناك لم يأخذوا فلسطين معهم، وإنما تركوا لنا ما هو أثمن من الكلمات: تركوا الذاكرة، وتركوا أسماءهم، وتركوا صورهم، وتركوا للأجيال القادمة سؤالًا لا يستطيع أحد إسكاتَه: إذا كان لنا وطن، فكيف يمكن أن نقبل بأن يصبح المنفى وطنًا أبديًا؟
في ذكرى تل الزعتر، لا أريد أن أستدعي الموت وحده، وإنما أريد أن أستعيد الحياة التي كانت هناك، الحياة التي حاولت أن تستمر وسط الحصار، والنساء اللواتي حافظن على بيوتهن، والأطفال الذين ظلوا أطفالًا رغم الحرب، والرجال الذين حاولوا حماية عائلاتهم، والناجين الذين حملوا ما تبقى من المخيم في قلوبهم، لأن قوة المأساة لا تكمن فقط في عدد الذين قتلوا، وإنما في حجم الحياة التي أُريد لها أن تختفي.
تل الزعتر لم يكن نهاية فلسطين، كما لم تكن النكبة نهايتها، ولم يكن اللجوء نهاية الحكاية، لأن فلسطين ظلت تنتقل من جيل إلى جيل، من الأم إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد، حتى أصبح الوطن جزءًا من الذاكرة اليومية، وصار حق العودة شيئًا لا يحتاج إلى شرح طويل، لأن الإنسان الذي يعرف من أين جاء لا يحتاج إلى أحد كي يخبره إلى أين يريد أن يعود.
بعد خمسين عامًا، يمكن للزمن أن يغير المدن، وأن يسقط الأبنية، وأن تتبدل الوجوه، وأن تفتح الطرق وتغلق أخرى، لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة الأساسية التي بقيت في قلب كل لاجئ: أن هناك بيتًا لم يعد إليه بعد.
وتل الزعتر هو واحد من أبواب تلك الذاكرة.
باب لا يغلق.
لأن خلفه أناسًا عاشوا وماتوا، وأطفالًا كبروا، وأمهات انتظرن، وناجين شهدوا، وشعبًا كاملًا ما زال يقول للعالم إن الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، وإن العودة ليست حلمًا مستحيلًا، وإن فلسطين ليست اسمًا على خريطة، وإنما وطن يسكن في الإنسان كما يسكن الإنسان في وطنه.
وفي 12 آب/أغسطس، حين نستعيد تل الزعتر، فإننا لا نستعيد يومًا من أيام الحرب فقط، وإنما نستعيد جزءًا من روح فلسطين، ونقول لمن رحلوا إن أسماءهم لم تضيع، ولمن نجوا إن شهاداتهم لم تذهب سدى، وللأجيال التي ولدت بعدهم إن المخيم الذي سقط بالحجر لم يسقط بالذاكرة، وإن الوطن الذي غاب عن العين بقي حاضرًا في القلب.
تل الزعتر لم يمت، لأن فلسطين لم تمت.
وما دام هناك فلسطيني يتذكر اسم بيته، فإن الطريق إلى البيت لم يُغلق.
لؤي صوالحة