You are currently viewing <a href="https://alquds.com/ar/posts/251957">الانتخابات الفلسطينية القادمة… بين إعادة بناء الشرعية ومخاطر إعادة إنتاج الانقسام</a>

الانتخابات الفلسطينية القادمة… بين إعادة بناء الشرعية ومخاطر إعادة إنتاج الانقسام

العربية فارسی كوردی‎ עִבְרִית Türkçe Français Deutsch Italiano Español English
شبكة فرح الاعلامية:

د. إبراهيم نعيرات

تأتي الانتخابات الفلسطينية القادمة في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، ربما تكون من أكثر اللحظات حساسية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فهي لا تجري في سياق سياسي طبيعي يمكن فيه التعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق دوري لتجديد المؤسسات، بل تأتي في ظل تحولات عميقة فرضتها حرب غزة، والتغيرات المتسارعة في الضفة الغربية، والتحديات الإقليمية والدولية، ومحاولات إسرائيل إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للقضية الفلسطينية.

ولهذا فإن الانتخابات القادمة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المنافسة بين القوى السياسية أو توزيع المقاعد، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ وإنما: ماذا ستنتج هذه الانتخابات؟ وهل ستكون مدخلاً لإعادة بناء القدرة الوطنية الفلسطينية، أم أنها قد تصبح بداية دورة جديدة من الصراعات والانقسامات؟

هناك اليوم حالة واضحة من التشوش وعدم اليقين تجاه الواقع الفلسطيني القادم. فالمشهد الذي ستجري فيه الانتخابات لم يتبلور بعد بصورة كاملة؛ إذ لا تزال مآلات حرب غزة مفتوحة، وطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية المتعلقة بالقطاع غير واضحة، بينما تشهد الضفة الغربية تحولات متسارعة بفعل الاستيطان والضغوط الإسرائيلية والتغيرات الميدانية. وهذا يعني أن الانتخابات ستجري في بيئة مختلفة جذرياً عن كل الانتخابات السابقة.

في الظروف الطبيعية، تُجرى الانتخابات ضمن واقع سياسي واضح نسبياً، حيث تتنافس القوى على برامج ورؤى محددة. أما في الحالة الفلسطينية الحالية، فإن الانتخابات ستجري في مرحلة انتقالية تحمل أسئلة كبرى حول مستقبل القضية الفلسطينية، وشكل النظام السياسي، وطبيعة القيادة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة.

لذلك فإن قراءة الانتخابات لا يجب أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل يجب أن تشمل مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل الانتخابات ومرحلة ما بعد الانتخابات.

في مرحلة ما قبل الانتخابات، يبرز سؤال أساسي حول طبيعة المزاج الشعبي الفلسطيني بعد سنوات من الجمود السياسي، وبعد الحرب على غزة وما أحدثته من تحولات عميقة في الوعي العام. هل ستكون هناك رغبة واسعة في التغيير وإعادة تشكيل المشهد السياسي؟ هل ستظهر نخب جديدة تحمل رؤية مختلفة؟ أم أن حالة القلق وعدم اليقين ستدفع المجتمع نحو البحث عن قوى أكثر خبرة وقدرة على إدارة مرحلة صعبة؟

لكن الإشكالية أن معظم القوى والجهات السياسية اليوم تبدو مدفوعة باتجاه الانتخابات، وكأن إجراءها بحد ذاته يمثل الحل. فهناك إصرار واسع على اعتبار الانتخابات بوابة للخروج من حالة الجمود السياسي، وهذا مفهوم في ظل الحاجة إلى تجديد الشرعية، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر إذا تحول إلى اندفاع غير محسوب.

ففي لحظات التحول التاريخي، لا تكون القضية فقط في الرغبة بالتغيير، بل في طبيعة التغيير الذي يمكن أن ينتج، وفي القدرة على إدارة نتائجه. وقد يكون الخطر أن يصبح هدف التغيير بحد ذاته هو المحرك الأساسي، بينما تغيب الأسئلة الأكثر أهمية: ماذا بعد الانتخابات؟ كيف ستُدار المرحلة التالية؟ هل يمتلك النظام السياسي القدرة على استيعاب النتائج؟ وهل توجد ضمانات تمنع تحول المنافسة الديمقراطية إلى صراع جديد على القيادة والتمثيل؟

إن التغيير بأي ثمن قد يحمل نتائج لا تحمد عقباها. فالانتخابات ليست غاية مستقلة عن الواقع، وإنما أداة سياسية يجب أن تخدم هدفاً وطنياً أوسع. والتجارب السياسية تثبت أن الانتخابات لا تنتج دائماً الاستقرار، وأن الديمقراطية عندما تجري في بيئة منقسمة ودون توافق على قواعد إدارة المرحلة قد تتحول من أداة لتجديد النظام إلى أداة لتعميق أزماته.

الخطر الصامت: عندما تصطدم الشرعية الانتخابية بالشرعية التاريخية

لعل أحد أكبر المخاطر الاستراتيجية المحيطة بالانتخابات الفلسطينية القادمة لا يكمن في احتمال صعود قوى سياسية جديدة بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي عملية ديمقراطية حقيقية، بل ربما يكون من أهم أهداف الانتخابات إعادة تجديد النخب وضخ دماء جديدة في النظام السياسي الفلسطيني.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعامل النظام السياسي والمجتمع والقوى القائمة مع احتمال انتقال مركز الثقل السياسي من قوى اعتادت قيادة المشهد إلى قوى جديدة لم تكن في موقع الصدارة سابقاً.

فالديمقراطية لا تُختبر عندما تأتي نتائج الانتخابات متوافقة مع التوقعات، أو عندما تحافظ القوى التقليدية على مواقعها، بل تُختبر عندما تنتج صناديق الاقتراع تحولات غير متوقعة، وتعيد ترتيب موازين القوى، وتفرض واقعاً سياسياً جديداً على الجميع.

في الحالة الفلسطينية، فإن هذا الاحتمال يحمل حساسية خاصة، لأن النظام السياسي لا يقوم فقط على الشرعية الانتخابية، بل يتداخل فيه تاريخ طويل من الشرعية الوطنية المرتبطة بدور قوى سياسية قادت الحركة الوطنية الفلسطينية لعقود، وبمراحل نضالية وتاريخية شكلت الوعي السياسي الفلسطيني. وفي المقابل، فإن الانتخابات تمنح الناخبين فرصة لإنتاج شرعية جديدة تستند إلى الإرادة الشعبية المباشرة.

وهنا قد تظهر المعضلة: ماذا يحدث إذا أنتجت الانتخابات صعود قوى جديدة أو شخصيات غير مألوفة في مركز المشهد؟ هل سيتم التعامل مع ذلك باعتباره تجديداً طبيعياً للنظام السياسي، أم باعتباره تراجعاً لدور قوى تاريخية ترى نفسها صاحبة دور مركزي في المشروع الوطني؟

الخطر لا يكمن في وجود شرعيتين؛ فالشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية يمكن أن تتكاملا، بل إن الجمع بينهما قد يكون مصدر قوة للنظام السياسي. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الشرعيات إلى مصادر تنافس وصراع.

فقد نجد أنفسنا أمام معادلة صعبة: قوى جديدة تقول “لدينا شرعية الصندوق”، وقوى تاريخية تقول “لدينا شرعية المشروع الوطني والتاريخ”. وإذا لم توجد رؤية وطنية قادرة على استيعاب الشرعيتين ضمن إطار واحد، فقد يتحول الاختلاف الطبيعي إلى أزمة سياسية جديدة.

وهنا تظهر المعضلة الأولى: احتمال رفض القوى التقليدية لنتائج لا تتوافق مع توقعاتها. فإذا شعرت قوى وطنية مركزية بأنها فقدت موقعها أو تراجعت مكانتها، فقد تظهر مقاومة للانتقال الجديد، انطلاقاً من شعور بأن المرحلة لا تسمح بتغييرات جذرية أو أن النتائج لا تعكس حجم دورها التاريخي.

أما المعضلة الثانية فهي قدرة القوى الجديدة على إدارة انتقال سياسي معقد. فالحصول على شرعية انتخابية لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة المؤسسية أو القدرة على إدارة نظام يواجه الاحتلال والتحديات الاقتصادية والسياسية والضغوط الخارجية. فالانتقال من موقع المنافسة إلى موقع القيادة يحتاج إلى أكثر من الفوز الانتخابي؛ يحتاج إلى رؤية وشراكات وقدرة على إدارة التوازنات الوطنية.

وهنا تكمن النقطة الأساسية: الخطر ليس في تجدد النخب، بل في أن يتحول تجدد النخب إلى صراع على الشرعية.

ولهذا فإن التحضير للانتخابات لا يجب أن يركز فقط على قانون الانتخابات والإجراءات الفنية، بل يجب أن يسبقه نقاش وطني حول “اليوم التالي للانتخابات”:

  • هل الجميع ملتزم مسبقاً باحترام النتائج أياً كانت؟
  • كيف ستشارك القوى التي تخسر؟
  • كيف ستُدمج القوى الجديدة داخل النظام السياسي؟
  • كيف نمنع نشوء مركزين للقرار؟
  • كيف تتحول الشرعية الانتخابية إلى إضافة للشرعية الوطنية وليس بديلاً عنها؟

ولعل التحدي الأكبر لا يكمن فقط في قبول النتائج، بل في وجود الثقة السياسية المتبادلة التي تسمح بانتقال القوة والتمثيل دون خوف من الإقصاء أو التهميش. فغياب الثقة قد يجعل حتى النتائج الديمقراطية الصحيحة مدخلاً إلى أزمة جديدة، بينما يمكن للثقة والشراكة أن تحولا الاختلاف السياسي إلى عنصر قوة.

إن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى انتقال سياسي منظم. فالانتقال غير المُدار في لحظة ضعف وانقسام قد ينتج أزمة أكبر من أزمة الجمود الحالية.

وفي المقابل، فإن الحاجة إلى إعادة إنتاج النخب الفلسطينية أصبحت ضرورة تاريخية. فالمجتمع الفلسطيني تغير، والتحديات تغيرت، ولم تعد الأدوات التقليدية وحدها كافية لإدارة المرحلة المقبلة. هناك حاجة إلى مشاركة أوسع للشباب والكفاءات والخبرات الوطنية، وإلى قيادة تمتلك رؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو بناء المستقبل.

لكن إعادة إنتاج النخب لا تعني إلغاء النخب التاريخية أو استبدال جيل بآخر. القضية ليست قضية أسماء أو أعمار فقط، بل قضية نموذج سياسي. المطلوب الانتقال من نموذج يعتمد على الشرعية التاريخية وحدها إلى نموذج يجمع بين الخبرة والشرعية الشعبية والكفاءة والقدرة على الإنجاز.

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى قيادات متعددة تتصارع على من يمثل الفلسطينيين، بل إلى قيادة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى قوة وطنية. فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تم تنظيمه ضمن رؤية مشتركة، لكنه يصبح مصدر ضعف إذا تحول إلى مراكز قرار متنافسة.

في النهاية، فإن الانتخابات الفلسطينية القادمة ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل اختبار تاريخي لقدرة الفلسطينيين على إدارة مرحلة انتقالية بالغة الخطورة.

فالنجاح لن يقاس فقط بقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل بقدرتهم على الخروج منه بنظام سياسي أكثر وحدة وقدرة على مواجهة المرحلة القادمة. أما الفشل في إدارة هذا الانتقال فقد يجعل الانتخابات، التي يُراد لها أن تكون بداية تجديد، مدخلاً إلى أزمة جديدة.

الفلسطينيون بحاجة إلى التغيير، لكنهم بحاجة أكثر إلى تغيير مسؤول ومدروس. بحاجة إلى انتخابات تعيد بناء الثقة، لا انتخابات تعيد إنتاج الانقسام. وإلى قيادة منتخبة قادرة على تحويل الاختلاف إلى قوة، والتجديد إلى وحدة، والديمقراطية إلى أداة لحماية المشروع الوطني لا إلى مدخل لإضعافه.

اطبع هذا المقال