
إسماعيل جمعة الريماوي
لم يكن مشهد الاحتفال في وسائل الإعلام الإسرائيلية عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مشهدًا عابرًا، بل كشف الكثير عن طبيعة الرهانات الإسرائيلية الكامنة خلف هذا الاتفاق، فعندما تتفق معظم القنوات والمحللين العسكريين والسياسيين في إسرائيل على وصف الاتفاق بأنه “إنجاز تاريخي” و”اتفاق ممتاز”، يصبح من المشروع التساؤل: ما الذي حققته إسرائيل حتى تبدو بهذه السعادة؟
الجواب لا يتعلق فقط بالشق الأمني، بل بما تعتبره تل أبيب تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الصراع، فالاتفاق، وفق القراءة الإسرائيلية، لا يربط الانسحاب من جنوب لبنان بوقف الاعتداءات أو بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، وإنما يجعل الانسحاب مشروطًا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية بواسطة الدولة اللبنانية نفسها، وبذلك تنتقل المواجهة، من المنظور الإسرائيلي، من صراع مباشر بين إسرائيل وحزب الله إلى صراع داخلي لبناني.
وهذا ما يفسر التصريحات اللافتة التي خرجت من الإعلام الإسرائيلي، والتي تحدث بعضها صراحة عن أن إسرائيل “تدفع لبنان إلى حرب أهلية”، وأن مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله “قد لا تكون سيئة لإسرائيل”، بل إن بعض المحللين اعتبرها الهدف الحقيقي منذ البداية، وهذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تحليلات إعلامية، بل تعكس رؤية متداولة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن تفكيك حزب الله من الداخل أقل كلفة بكثير من خوض حرب جديدة معه.
ولذلك لم يكتفِ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالترحيب بالاتفاق، بل وضع شرطًا واضحًا: لا انسحاب إسرائيلي من الحزام الأمني قبل نزع سلاح حزب الله وانتهاء ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها، وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل تحتفظ بحق البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدد، بينما تتحول عملية نزع السلاح إلى مسؤولية الحكومة اللبنانية.
الأخطر أن الاتفاق، وفق ما سربته وسائل الإعلام الإسرائيلية، يقوم على تنفيذ تجريبي في مناطق محددة، بحيث تمنح إسرائيل نفسها حق تقييم أداء الجيش اللبناني، ثم تقرر توسيع نطاق التنفيذ أو تجميده، وبذلك تصبح إسرائيل صاحبة القرار الفعلي في تحديد مدى التزام لبنان، وتتحول عملية الانسحاب إلى ورقة ضغط دائمة يمكن استخدامها سياسيًا وعسكريًا.
كما تكشف التصريحات الإسرائيلية أن الهدف النهائي لا يقف عند حدود الجنوب اللبناني، بل يمتد إلى إعادة رسم المشهد السياسي اللبناني بالكامل، فالإذاعة الإسرائيلية تحدثت صراحة عن أن الاتفاق يمهد لاتفاق سلام مستقبلي مع لبنان بعد إنهاء النفوذ الإيراني، فيما رأى عاموس يدلين أن الاتفاق يختلف عن أي تفاهم سابق لأنه يربط بين نزع سلاح حزب الله والوصول إلى سلام بين البلدين.
وفي المقابل، فإن التحفظات التي صدرت عن شخصيات إسرائيلية مثل أفيغدور ليبرمان أو بعض رؤساء المجالس الحدودية لا تعكس رفضًا للاتفاق بقدر ما تعكس اختلافًا حول آلية تنفيذه وسرعة الانسحاب، فجميع هذه المواقف تتفق على هدف واحد، وهو إنهاء القوة العسكرية لحزب الله، بينما يتركز الخلاف على الوسيلة والتوقيت.
إن قراءة المشهد الإسرائيلي تكشف أن تل أبيب ترى في الاتفاق فرصة تاريخية لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه عبر سنوات طويلة من الحروب والاغتيالات والضغوط العسكرية، فإذا نجحت الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله تكون إسرائيل قد حققت هدفًا استراتيجيًا دون إطلاق رصاصة، وإذا رفض الحزب ودخل في مواجهة داخلية، فإن إسرائيل ستكون قد نجحت في نقل الحرب إلى الداخل اللبناني، مستنزفة خصومها بأيدي بعضهم البعض.
وهنا تكمن خطورة هذا الاتفاق في أن إسرائيل لا تنظر إليه بوصفه نهاية لمواجهة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصراع تُدار بأدوات سياسية وأمنية داخلية بدل الدبابات والطائرات، لذلك فإن النشوة التي اجتاحت الإعلام الإسرائيلي لم تكن احتفالًا بتوقيع وثيقة، وإنما احتفالًا بإمكانية تحقيق مشروع طال انتظاره: تفكيك البيئة المقاومة من الداخل، وتحويل لبنان من ساحة مواجهة مع الاحتلال إلى ساحة صراع بين أبنائه، أما ما إذا كان هذا الرهان سينجح أم سيفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيدًا، فسيظل مرهونًا بقدرة اللبنانيين على منع تحويل خلافاتهم الداخلية إلى أداة تخدم الأهداف الإسرائيلية.