You are currently viewing <a href="https://www.alquds.com/ar/posts/229953">الترمبية والشرق الأوسط الجديد</a>

الترمبية والشرق الأوسط الجديد

العربية فارسی كوردی‎ עִבְרִית Türkçe Français Deutsch Italiano Español English
شبكة فرح الاعلامية:


د. دلال صائب عريقات

لم يعد الخطر في الشرق الأوسط يُعرَّف بوصفه احتلالًا عسكريًا قائمًا وممتدًا، بل بات يُعاد تأطيره ضمن سردية “التهديد النووي” و”الخطر الوجودي الإقليمي”. هذا التحول ليس لغويًا فحسب، بل يعكس إعادة صياغة كاملة لأولويات الأمن الدولي والإقليمي، بحيث يُزاح الاحتلال من مركز التحليل، ويُستبدل به خطاب الردع الاستراتيجي، والتوازنات النووية، وتحالفات مواجهة “الخطر الأكبر”.
في هذا السياق، لم تعد المبادرات التي تُطرح تحت عنوان “السلام” في القضية الفلسطينية تعكس مسارًا تفاوضيًا قائمًا على القانون الدولي وحق تقرير المصير، بل أصبحت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة شرق أوسط جديد، تُعاد فيه صياغة التحالفات وفق منطق مواجهة “التهديد النووي” لا إنهاء الاحتلال.
صعود الترمبية وحركة MAGA Make America Great Again في الولايات المتحدة شكّل أحد مداخل هذا التحول. فالرؤية التي روّجت لها “صفقة القرن”، وما يمكن تسميته بعقيدة كوشنر–ويتكوف، لم تكن مجرد خطة سياسية، بل إطار لإعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها: من قضية تحرر وطني إلى ملف إداري–اقتصادي يُدار ضمن ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، عنوانها الاستقرار في مواجهة “الخطر الاستراتيجي”.
بهذا المعنى، يجري نقل مركز الثقل من إنهاء الاحتلال إلى بناء تحالفات إقليمية جديدة، يمكن وصفها بتحالف الإسلام السياسي المحافظ، والصهيونية القومية، والترمبية الشعبوية. تحالف غير مُعلن أيديولوجيًا، لكنه متقاطع مصلحيًا، يجمعه تصور مشترك للأمن قائم على القوة، والردع، وإعادة ترتيب أولويات المنطقة وفق ميزان “التهديد الأكبر”.
في هذا الإطار، تصبح القضية الفلسطينية عنصرًا وظيفيًا داخل معادلة أوسع: إما أن تُعاد صياغتها بما يتوافق مع هندسة التحالفات الجديدة، أو تُهمَّش بوصفها ملفًا يمكن احتواؤه عبر مشاريع إعادة إعمار، واستثمارات، وآليات أمنية. غزة تُختزل إلى مساحة إدارة أمنية–اقتصادية، والضفة الغربية تُفكك جغرافيًا وسياسيًا، فيما يُعاد تعريف الخطر باعتباره نوويًا عابرًا للحدود، لا احتلالًا مستمرًا منذ عقود. يُصبح الاحتلال تفصيلًا ثانويًا في سردية الأمن وتُبنى التحالفات على قاعدة مواجهة “الخطر الوجودي”، تُعاد شرعنة وقائع ميدانية كانت تُعتبر سابقًا انتهاكًا للقانون الدولي. هكذا تتحول أولويات النظام الإقليمي من إنهاء حالة استعمارية واضحة إلى إدارة توازنات ردعية.
في الوقت ذاته، يطرح صعود حركة MAGA مفارقة أخرى. فالحركة، في خطابها، تدعو إلى تقليص الانخراط الخارجي المكلف، وإعادة توجيه الموارد إلى الداخل الأميركي. نظريًا، يفتح ذلك الباب أمام مساءلة طبيعة الدعم غير المشروط لإسرائيل، وحجم الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية له. لكن عمليًا، شهدت الترمبية لحظات عززت فيها انحيازًا واضحًا، ما يعكس التداخل بين الاعتبارات الأيديولوجية والانتخابية والتحالفات الداخلية.
النتيجة أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله اليوم لا عبر خطوط الحدود التقليدية، بل عبر خطوط التحالفات الجديدة. خريطة المنطقة لا تُرسم فقط بالجغرافيا، بل بتعريف من هو “الخطر الأكبر”، ومن هو “الحليف الضروري”. وفي هذه المعادلة، يُعاد تعريف القضية الفلسطينية من مسألة قانونية–حقوقية إلى ملف يمكن إدارته ضمن منظومة ردع إقليمية. لكن استبدال الاحتلال بسردية “الخطر النووي” لا يلغي الواقع القانوني. حق تقرير المصير لا يسقط بتغير أولويات الأمن الدولي، وعدم شرعية الضم لا تتبدل بتبدل التحالفات. إن تحويل مركز النقاش من إنهاء الاحتلال إلى إدارة المخاطر النووية قد يعيد ترتيب الأولويات السياسية، لكنه لا يعيد كتابة قواعد القانون الدولي.
التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم ليس فقط مواجهة وقائع الاحتلال، بل مواجهة إعادة تعريف القضية ذاتها ضمن منظومة إقليمية جديدة. فالمعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على المفهوم: هل تبقى فلسطين قضية تحرر وطني، أم تتحول إلى ملف ثانوي في معادلة ردع إقليمي؟ دون إعادة تثبيت الأساس القانوني للقضية -حق تقرير المصير، وحدة الأرض، عدم شرعية الضم، والتمثيل الوطني الجامع- ستظل أي خريطة شرق أوسط جديد خريطة تُبنى فوق اختلال العدالة، حتى لو رُسمت بخطاب الأمن والاستقرار.

اطبع هذا المقال