1

بعد موافقة حماس: تسوية قريبة أم مماطلة إسرائيلية ؟

نبهان خريشة

أعلنت حركة حماس موافقتها على ما نسبته ثمانية وتسعين في المئة من مقترح الوسطاء لوقف اطلاق النار في غزة، الذي هو في جوهره مقترح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وطالبت بتعديلات طفيفة لا تتجاوز نسبتها اثنين في المئة. هذه التعديلات تمحورت حول ثلاث قضايا أساسية: آلية تسليم الأسرى الإسرائيليين بشكل متقطع، واستثناء منظمة المساعدات الأمريكية من العمل داخل القطاع، إلى جانب تكليف الأمم المتحدة وحدها بتوزيع المساعدات، إضافة إلى التأكيد على فتح معبر رفح كمنفذ حيوي للغزيين. بهذا تكون حماس قد أبدت مرونة واضحة، وتراجعت عن مطالب كانت تعتبرها حتى الأمس القريب خطوطاً حمراء، وفي مقدمتها وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وهو تراجع يعكس حجم الضغط الهائل الذي يتعرض له المدنيون الفلسطينيون جراء التقتيل والتجويع والتشريد المستمرة منذ شهور.

هذه الموافقة، على الرغم من كونها مشروطة ببعض التعديلات، تشكل تحولا في موقف حماس السياسي والعسكري. فالحركة التي رفعت منذ بداية الحرب شعار الصمود حتى تحقيق الانسحاب الكامل، تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها تحت وطأة الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع. مئات آلاف الناس بلا مأوى، عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وحصار خانق يمنع دخول الغذاء والدواء، كلها عوامل أجبرت حماس على تقديم تنازلات، ربما لم تكن لتقبلها لولا إدراكها أن استمرار القتال بالمعطيات الحالية لا يخدم سوى آلة الحرب الإسرائيلية، التي تبدو مستمرة في سحق المجتمع الغزي تحت ذرائع الأمن والردع.

ومع ذلك، فإن الموافقة على مقترح الوسطاء، حتى بصيغته المعدلة بنسبة ضئيلة، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل ستسارع إلى التوقيع عليه. فالتجربة التاريخية مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصاً حكومة اليمين الحالي بقيادة بنيامين نتنياهو، تثبت أن التعاطي مع أي مبادرة تهدئة لا يخضع فقط لحسابات عسكرية أو إنسانية، بل يرتبط بالدرجة الأولى بحسابات سياسية داخلية. نتنياهو الذي يواجه ضغوطاً متزايدة من عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، ومن المعارضة التي تتهمه بالفشل في إدارة الحرب، يجد في أي مبادرة فرصة مزدوجة: إما أن يستثمرها لتقديم نفسه بوصفه من أعاد الأسرى وأوقف النزيف، أو أن يستخدم تفاصيلها، حتى وإن كانت هامشية، ذريعة للتسويف وإطالة أمد القتال.

التعديلات الثلاثة التي طلبتها حماس قد تتحول إلى أوراق بيد نتنياهو لرفض الاتفاق. فآلية تسليم الأسرى بشكل متقطع، رغم أنها مطبقة في اتفاقات مشابهة سابقة، قد تُصوَّر في الداخل الإسرائيلي على أنها مناورة تتيح لحماس الاحتفاظ بورقة ضغط حتى اللحظة الأخيرة. أما استثناء منظمة المساعدات الأمريكية، فهو مطلب قد يثير حساسية خاصة لدى واشنطن التي ترى في وجود هذه المنظمة ضمانة للرقابة والتأثير، وبالتالي قد يُفسَّر إسرائيلياً على أنه مسعى لإقصاء طرف يعتبر حليفاً استراتيجياً. وأخيراً، فإن تكليف الأمم المتحدة وحدها بتوزيع المساعدات وفتح معبر رفح يشيران إلى رغبة حماس في تقليص اليد الإسرائيلية على الشريان الإنساني للقطاع، وهو ما قد لا توافق عليه تل أبيب بسهولة لأنها اعتادت توظيف هذا الملف كورقة ضغط عسكرية وسياسية.

أمام هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المقترح المطروح على الطاولة. السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، أن توافق الحكومة الإسرائيلية على المقترح بعد مشاورات مع واشنطن والقاهرة والدوحة، مدفوعة بضغط داخلي من عائلات الأسرى وبإلحاح دولي لإنهاء الكارثة الإنسانية. في هذه الحالة، ستدخل المنطقة في هدنة تمتد ستين يوماً، قد تتحول إلى بوابة لمسار تفاوضي أوسع يضع أسساً جديدة لإدارة الصراع.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن تقرر إسرائيل القبول المشروط، أي الموافقة على المقترح مع رفض بعض تعديلات حماس الثلاثة. عندها ستدخل المفاوضات في جولات إضافية من الشد والجذب، وقد يطول أمد النقاشات بما يتيح لإسرائيل الاستمرار في عملياتها العسكرية على الأرض بحجة أن الاتفاق لم ينضج بعد. هذا السيناريو يخدم نتنياهو إذا كان هدفه كسب الوقت، إما لترتيب أوراقه السياسية الداخلية أو لتحقيق مكاسب عسكرية إضافية في القطاع قبل أي تسوية.السيناريو الثالث، وهو الأكثر قتامة، أن ترفض إسرائيل المقترح برمته بحجة أن مطالب حماس غير مقبولة، أو أن الأخيرة ليست جادة في تسليم الأسرى بشكل كامل وفوري. في هذه الحالة، ستجد حماس نفسها وقد فقدت ورقة مهمة، فهي أبدت مرونة كبرى بالتنازل عن وقف الحرب والانسحاب، لكن إسرائيل لم تلتقط المبادرة. النتيجة المرجحة عندئذ هي استمرار الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية، مع تحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية فشل المساعي.

بين هذه السيناريوهات، يبدو أن العامل الدولي سيكون حاسماً. الولايات المتحدة، رغم دعمها المطلق لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، تدرك أن استمرار المشهد الدموي في غزة يضر بصورتها في المنطقة ويحرج حلفاءها العرب. مصر وقطر اللتان لعبتا دور الوسيط تخشيان بدورهما أن يؤدي الفشل إلى انفجار إقليمي أكبر، سواء على صعيد التوترات الحدودية أو على مستوى الرأي العام العربي والإسلامي. لذلك فإن الضغط على إسرائيل للقبول، ولو بحده الأدنى، قد يتزايد خلال الأيام المقبلة، خاصة أن موافقة حماس شبه الكاملة تحرم نتنياهو من ذريعة الرفض المطلق.

في المحصلة، يمكن القول إن حماس خطت خطوة غير مسبوقة بقبولها مقترح الوسطاء بنسبة 98%، وهو ما يضع الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي. فإما أن تستثمر الحكومة الإسرائيلية هذه اللحظة وتذهب نحو التوقيع بما يفتح الباب أمام هدنة إنسانية طال انتظارها، أو أن تختار مسار التسويف والرفض، لتبقى الدماء والمعاناة هي اللغة الوحيدة السائدة في غزة. والرهان في النهاية ليس فقط على عقلانية الساسة في تل أبيب، بل على مدى قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغط حقيقي يجبر الطرف الأقوى عسكرياً على التنازل أمام معادلة إنسانية لا تحتمل المزيد من المساومات.